الميزة الاستراتيجية لمذكرة “مناطق خفض التصعيد” في سورية

تشرين 10 آيار

د. إبراهيم علوش

تشرين 10/5/2017 

للوهلة الأولى قد يبدو أن مذكرة “مناطق خفض التصعيد” الأربع في سورية الذي كفلته روسيا وتركيا وإيران في الآستانة يوم 4 أيار الجاري هو صنو مشروع “المناطق الآمنة” الذي طالما حاول فرضه المحور الغربي-الخليجي، والذي طالما رفضته دمشق باعتباره مدخلاً لتقسيم سورية وتكريس فكرة “الحكم المحلي” لتحويل سورية إلى “فدرالية أو كونفدرالية” تعتمل فيها بذور تجدد الصراع الأهلي أسوة بكل دولة عربية  فُصِل  دستورها ونظامها على مقاس خطوط التصدع الأثنية والطائفية والجهوية.  وإن لم نتفطن هنا لمشروع “الحكم المحلي” الجاري قدماً في مناطق سيطرة قوى كردية مدعومة أمريكياً، فلنراجع إذاً المشروع المعلن لأكبرَ مركزِ أبحاثٍ أمريكيٍ، وهو مؤسسة راند المعروفة التابعة للقوات المسلحة والإدارة الأمريكية، تحت عنوان “خطة مؤسسة راند للحل في سورية”، المنشور بالعربية على الإنترنت منذ 11/7/2016، والذي يتبنى فكرة “المناطق الآمنة”: “…إن أفضل الآمال من أجل وقف المقتلة السوريّة، هو القبول بمناطق مُتفّق عليها، تأخذ في حسبانها التقسيمات الإثنو-طائفية، والخطوط الحالية للمعركة، بينما تُطوَّر قوة مهمة للمجتمعات المحلّية.”!  ومن البديهي أن دمشق يستحيل أن توافق على التعاطي إيجابياً مع مثل هذا الأمر، لأنه يعني تقويض الدولة وتفكيك المجتمع ونشر ديم الإرهاب في الإقليم.

لكنْ، لو افترضنا جدلاً أن “مناطق خفض التصعيد” تصب في طاحونة مشروع “المناطق الآمنة” الأمريكي إياه، فلمَ نرى قناة “العربية” تستنكره، و”الجزيرة” تشكك به، والعدو الصهيوني يتنصل منه، ووسائل الإعلام الأمريكية الرئيسية تتناوله بانزعاج، وما يسمى “الهيئة العليا للمفاوضات” تنتقده،  وعدداً من المجموعات المسلحة تناهضه، و”الاتحاد الديموقراطي الكردي في سورية” يرفضه؟!  إذ لا يعقل لهؤلاء جميعاً أن تتسم ردود فعلهم بالسلبية الواضحة، بذرائع شتى، لو كان اتفاقاً يصب في مصلحتهم حقاً، سوى أنه اتفاقٌ يشبه ما أصروا عليه على مدى سنوات، مما يجعل رفضه صراحةً وبشكل قطعيٍ محرجاً لهم، فباتوا “أعظمُ حيرةً من فارسٍ تحت القتام، لا يستطيع الانتصار، ولا يطيق الانكسار”، على حد تعبير الشاعر إيليا أبو ماضي.

ربما تبدو مذكرة “مناطق خفض التصعيد” إذاً شبيهةً بمشروع “المناطق الآمنة”، سوى أنها ليست مثله حقاً إلا شكلاً.  أما القراءة الدقيقة لتفاصيل المذكرة وما بين سطورها فيجب أن تبدأ من زاويتين:

أ – أن وقف إطلاق النار لا يسري على المجموعات التي لا تتقيد به،

ب – أن وقف إطلاق النار لا يسري على داعش والنصرة وأي مجموعات أو أشخاص مرتبطة بهما.   

من هنا تنطلق المذكرة من الفصل بين “داعش” و”النصرة” وبقية المجموعات المسلحة، فإما أن تُعامل معاملتهما، أو أن تلتحق بجهود محاربتهما من جهة، في ظل وقف إطلاق نار مع الجيش العربي السوري والقوات الحليفة والرديفة من جهةٍ أخرى، أي أن الاتفاق يفرض اصطفافاً ميدانياً على تلك المجموعات، هو في جوهره مدخلٌ لإعادة اصطفاف سياسية، أو أنه يكشفها سياسياً وميدانياً كداعم للإرهاب التكفيري. 

تبرّمُ وسائل الإعلام والإدارة الأمريكية من المذكرة جاء على خلفية التأكيدات الروسية بأن الطلعات الجوية لـ”التحالف الدولي ضد الإرهاب” بموجبها سوف تقتصر على شرق سورية فحسب، حيث تدور رحى المعركة مع داعش، مما يحقق، لو تم الالتزام به أمريكياً، هدفين اثنين، أولهما انحسار الظل الأمريكي عن مركز الثقل السكاني والسياسي السوري، وثانيهما تركيز القوة النارية للتحالف على هدف مشترك هو القضاء على داعش.  لكن ماذا بعد داعش في شرق سورية؟  ذلك هو السؤال الكبير.

استراتيجياً، يمكن للمذكرة لو تحققت أن تتيح للجيش العربي السوري والقوات الحليفة والرديفة التركيز على جبهتين، أولهما جبهة دير الزور خصوصاً وشرق سورية عموماً، وثانيهما جبهة الحدود السورية-الأردنية-العراقية التي تتجمع فيها القوات الأجنبية والمجموعات المسلحة التابعة لها.  ومن هنا يعني فرض تهدئة على جبهة درعا-القنيطرة، وجبهة الغوطة الشرقية، وريف حمص، ومحافظة إدلب وجوارها، بمقدار ما يتم الالتزام بها، تسكين تلك الجبهات لمصلحة التركيز على معركة شرق سورية مع داعش وما بعدها، ومقابلة  الحشود الغربية بجنوب سورية وشرقها، أي أنه يمنح معسكر سورية وحلفائها ميزة استراتيجية، نازعاً من أيدي المحور المقابل الذرائع “الإنسانية” للتوتير مثل حرية إيصال المساعدات وإعادة خدمات البنية التحتية حيث قُطعت ووقف القصف المتبادل إلخ…

تحول تركيا إلى جهة ضامنة للمذكرة، إذا التزمت فعلاً بعدم توتير الأجواء في إدلب وجوارها، وبمحاربة المجموعات المرتبطة بالنصرة وداعش في تلك المنطقة، يعني فعلياً تعزيز تقاربها مع روسيا، مما لا بد له أن يزعج المحور الأمريكي-الخليجي.  أما تثبيت إيران كجهة ضامنة للمذكرة، فيزعج ذلك المحور أكثر، ويسير بتيار الأحداث على عكس ما تشتهي سفنه، كما رأينا من ردود فعل بعض ممثلي المجموعات المسلحة. 

كل ما سبق يفسر مذكرة “مناطق خفض التوتر” ضمن شروط اللحظة الراهنة، وهو سياق سيؤدي، لو تحقق، إلى تعزيز فرصة عودة المحافظات والمناطق الخارجة عن سيطرة الدولة لسيادتها، لا لمأسسة نزعات التشظي والتفكيك التي يحلم بها الطرف الأمريكي-الصهيوني.  ولا يمنع ذلك على الإطلاق أن يحاول ذلك الطرف اختراق مشروع “مناطق خفض التصعيد” في مسعى لتحويل مسارها باتجاه تعريفه التفكيكي للمناطق الآمنة، كما لا يمنع أن يوعز لأدواته بعدم التقيد علناً بوقف إطلاق النار كما فعل مراراً من قبل، لكنه سيواجه  في الحالة الأولى إدارة سياسية سورية مخضرمة ومحنكة تعرف كيف تدير الصراع على كافة المستويات، وهو في الحالة الثانية سيكشف نفسه وسيضعها في موضعٍ أضعف معنوياً وسياسياً يبرر لسورية أمام المزيد والمزيد من المضللين أن تقوم بكل ما يلزم للدفاع عن سيادتها والسلامة الإقليمية لأراضيها.  فهذه خطوة سياسية استراتيجية لمصلحة الميدان، وهي ليست بلا مخاطر طبعاً، لكننا في حرب بالنهاية.

http://tishreen.news.sy/?p=89203

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/Qawmi

انشر هذا المقال في المواقع التالية
Digg Delicious Stumbleupon Technorati Facebook Twitter