الحراك الشعبي في الجنوب التونسي في الميزان القومي الجذري

18928556_1752217711462123_112755573_n

لائحة القومي العربي

5/6/2017

 

منذ قرابة سنة انطلقت حملة فيسبوكية وإعلامية مرفقة ببعض التحركات الميدانية تحت عنوان “أين البترول”، يدعي أصحابها بأن تونس تسبح تحت بحر من النفط وأن عائداته مجهولة وكذلك مصارفها.

ما لبثت هذه الحملة أن خفتت بعد مضي بضعة أشهر، حتى عادت إلى الساحة من جديد بوتيرة أقوى مصحوبة بتحركات احتجاجية ميدانية اتسمت بالعنف في ولاية تطاوين أقصى الجنوب التونسي على الحدود الليبية-الجزائرية والتي شهدت أعمال عنف وحرق للإطارات المطاطية وحرق لمراكز الشرطة وإغلاق الطرق المؤدية للحقول النفطية واعتصام عدد من شباب الجهة يطالبون بحقهم في الشغل وحق الجهة المحرومة من التنمية.

قبل أن نندفع نحو تأييد الحراك من عدمه، لا بد من وضعه في الميزان القومي الجذري وأن نخضعه لبوصلتنا التي لا تخيب ألا وهي مصلحة الأمة أولا والتي تؤدي بالضرورة إلى الحفاظ على مصلحة القطر، بعد أن تعلمنا دروسا قاسية من “الربيع” المشؤوم أهمها أن ليس كل ما يلمع ذهبا وأن لا نندفع خلف كل حراك “شعبي” هنا أو هناك مهما كانت شعاراته براقة حتى نتبين صدق نواياه وسلامة مسلكيته.

لا يختلف اثنان في توصيف حالة القطر التونسي اليوم، باعتباره محمية غربية تخضع لاحتلال غير مباشر وتبعية شاملة لقوى الهيمنة الخارجية، قبل “الربيع” العربي وبعده، لا بل أصبحت تونس عبارة عن مختبر لأجهزة المخابرات العالمية وقاعدة تنطلق منها المؤامرات وقوافل الموت نحو الأقطار العربية بزعامة اليمينين، الملتحي المتأسلم والحداثوي الحليق (النهضة ونداء تونس).

في ظل هكذا وضع لا شك أن واجب القوى القومية واليسارية الحقيقية متى وجدت يتمثل أساساً في تثوير الشارع والتقاط أي حراك شعبي مناهض للإمبريالية والسير به نحو نهايته الطبيعية وهي قلب الواقع على رؤوس عملاء الداخل وسحب البساط من تحتهم وتحرير القطر من الهيمنة الغربية وتحويله إلى قاعدة من قواعد الثورة.  فلماذا لم تبادر لائحة القومي العربي إلى دعم الحراك في الجنوب التونسي في الكامور وتطاوين والى تبني مطالب الشباب المحتج على الفساد ونهب ثروات البلاد؟

من يطالب بماذا؟

1- من يطالب؟

هو سؤال جوهري والإجابة عليه ستقودنا إلى الإمساك بخيوط المشهد.

استفقنا في أحد الأيام على أخبار نشرت في وسائل الإعلام المقروءة والمكتوبة مفادها أن شباب تطاوين يحتجون على نهب ثروات جهتهم ويطالبون بحقهم في الشغل وحقهم في التنمية كجهة محرومة.

الصفة الرئيسية والأبرز لهذا الشباب هو أنه مستقل وغير متحزب ولا يتبع أية إيديولوجيا ولا قيادات له.

وحسب معرفتنا بأبجديات العمل السياسي وللقوانين التي تحكم حركة الواقع والفعل السياسي يصعب أن نصدق، لا بل يستحيل أن نصدق مقولة أن شباباً مهمشاً وعفوياً بلا إيديولوجيا وبلا انتماء يمكن أن يؤسس لحراك شعبي منظم يدوم لأشهر في الشارع احتجاجاً وإعتصاماتٍ وإضرابات جوعٍ، والأهم أن هذا الشباب بدون قيادة سياسية.  فأي حراك لا يمكن أن يثمر ولا يمكن أن يستمر بلا وقود ووقود أي حراك يتمثل أساساً في الإيديولوجيا والخط السياسي والأهداف السياسية والدعم اللوجستي والنواة المتماسكة التي تحمل أجندة وأهدافاً سياسية وتعمل على السير بالحراك نحو أهدافه وتتحدث وتتفاوض باسمه وبيدها مصير الحراك إما تعليقه أو مواصلته.  فكيف يمكن أن نصدق بأن ثمة حراك بلا من يقوم عليه؟  مع من ستتفاوض الدولة إذن؟ ومن سيقرر مصيره؟؟

إن منطق العبثية هذا لا وجود له إلا في حراكات الربيع المتصهين، وكل حراك شبيه تنبعث من ثناياه حتماً ريح ربيعية كالتي خدعتنا ذات يوم وانسقنا خلفها فرحين كفرحة الأطفال بالعيد.

فلو قامت جهة ثورية معروفة بتبني هذا الحراك لقمنا على الفور بمباركته وتبنيه والانخراط فيه ودعمه سياسياً وميدانياً، بغض النظر عن مرجعية تلك الجهة قومية كانت أم يسارية أو حتى وطنية مخلصة بالمفهوم القطري، أما الانخراط في حراك أو حتى دعمه كيفما جاء من دون أدنى معرفة بمن يحركه ولا أدنى فكره عن أهدافه الإستراتيجية وأجندته السياسية فيعد غباء سياسياً إذا ما افترضنا سلامة النية.

إن التحليل المذكور أعلاه، إذا ما توقفنا عنده، لا يؤدي إلى بناء صورة مكتملة عن حقيقة ما يجري في الجنوب التونسي ولا يفي بالغرض لبناء موقفٍ سياسيٍ متماسكٍ، ولعل بعض القراء من أصحاب النية الحسنة سيندفعون إلى رفضه وتصنيفه في إطار “هوس نظرية المؤامرة” وأن أصحاب هذا الرأي هم أشخاص أو مجموعات باتت تشكك بكل ما حولها من فراغ لا بل وتشكك بأي حراك ثوري، ولم يعد بإمكانها أن تتصور أن الشعوب قادرة، ولو بوسائل تقليدية بسيطة، على انتزاع حقوقها والانتفاض على جلاديها.

لذلك سننطلق من فرضية “عفوية الحراك” مع أننا لا نؤمن بها وعلى الرغم من أن منطق الأمور يلفظها وأنها تتناقض مع قوانين السياسة لا بل وحتى الفيزياء (نقل الحركة أو الطاقة والتأثير والتأثر)، ولنتجاوز ما رأيناه خلال “الربيع” المتصهين وكيف أن الحراك “البريء” و”العفوي” والذي لا يقف وراءه حزب أو تنظيم تنبعث من ورائه أيادٍ خفية بقدرة قادر تنقض عليه وتظهر في الواجهة في اللحظات الأخيرة كما حصل في تونس وكما حصل في ليبيا بعدما خرجت الآلاف من الأعلام السنوسية الله وحده يعلم متى وكيف وأين تمت طباعتها، ناهيك عن الدبابات وأطنان الأسلحة والذخائر والسيارات رباعية الدفع جديدة الصنع التي خرجت بقدرة قادر من رحم الحراك السلمي الملون وكما حصل في الثورات الملونة من قبل.

فلنفترض جدلاً إذاً أن الحراك في الجنوب التونسي هبة شعبية عفوية وأن شباب تطاوين المستقل يحتج تلقائياً بدون قيادة سياسية وأن لا وجود لأيادٍ خبيثة تحركه من وراء الستار، فما هو الموقف الذي تمخض عنه هذا الحراك، وما هي أهدافه ومطالبه حتى نتمكن من تحديد موقفنا منه؟

2- بما يطالب؟

بعد مرور بضعة أيام على انطلاق الحراك بدأت مطالبه تتبلور شيئا فشيئا، وانتقلت من طور الضبابية والعمومية نحو الوضوح، وقد عبر عن ذلك شباب تطاوين “المستقل” عبر شاشات التلفاز ومنها قناة “الجزيرة” و”فرانس 24″، وعبر مواقع التواصل الاجتماعي.

خلال الأيام الأولى كان الشعار الأبرز للشباب المحتج هو “أين البترول؟!” كناية عن عائدات الثروة النفطية و”لا لتهميش الجهة” و”نعم لحق العمل” …الخ

ومن المهم هنا أن نفتح قوساً صغيراً، قد يعتبره البعض تافهاً إلى أنه تفصيل صغير من المشهد يعتمد كأداة لتحريك الجماهير: إن الثروة النفطية في تونس ثروة محدودة حسب خبراء من أهل الاختصاص ومصادر مطلعة من الشركة التونسية للأنشطة البترولية على خلاف ما يحاول البعض تصويرها، إذ تروّج الشائعات على أن تونس تسبح فوق بحر من النفط وأن الدولة تخفي حجم إنتاجها من النفط فإنتاج تونس من النفط لا يعد شيئاً مقارنة بالدول النفطية في الخليج العربي أو ليبيا والجزائر، وهذا لا يعني البتة أننا مع التفريط فيه لصالح أي جهة أجنبية، وفيما يتعلق بالملف النفطي الأجدر بالطرح هو ملف شركة بريتيش غاز BG التي تقوم بنهب الغاز التونسي منذ سنوات بنسبة 100% ، ولا تملك الدولة منه شيئاً في الحقل التابع لها، والذي يقع قبالة ساحل مدينة صفاقس، ولكن مطلباً واضحاً وجدياً من هذا النوع سوف يتسبّب في قطع المدد عن الحراك ويتوقّف فوراً، حتى اذا ما اقتربت الايادي المحرّكة من مثل هذا الموضوع سوف يتم ترتيب تهمة ويلقى بالمحرِّك في السجن، وينتهي تناول الموضوع إعلامياً من الجميع.

بالعودة لموضوعنا الرئيسي، بدأت الحملة تحت عنوان “أين البترول؟!” والغريب أن المطلب لم يتحول إلى المطالبة بتأميم الثروة النفطية، ولم يطالب بتأميم الثروات المنهوبة من غير البترول والتي يمكن أن تفوق عائداتها عائدات البترول مثل الملح والثروة السمكية والتمور وزيت الزيتون والقوارص والرخام …إلخ، أو ثروة الفوسفات التي ينخرها الفساد (لأنه مؤمّم)… بل بدأنا نسمع أصواتاً تنادي بـ80% من عائدات النفط لصالح جهة تطاوين! وأن ثروات الجنوب للجنوبيين! وأن شعب الجنوب لن يسكت عن حقه في ثرواته التي تقع تحت أرضه!

بدأت رائحة الجهوية والمناطقية والتقسيم النتنة تفوح من الحراك “الشعبي”، فالمطالبة بحق الجهة في ثرواتها وإدارة مواردها ذاتياً سيؤدي إلى نشأة حراكات شبيهة تطالب بفوسفات قفصة لأهالي مدينة قفصة، وتطالب بعائدات المجمع الكيمياوي لصالح مدينة قابس وحق الشكال في ثرواته، لتكتمل الصورة عندها، فمَطالب الحراك وحدها كافية حتى نصيغ موقفنا منها بدون أي لبس ولا تردد.

في المقابل نحن نعي تماما أن الدولة التونسية محكومة من قبل مافيات رأس المال والاخوان المتأسلمين ولا يمكن بأي شكل من الأشكال أن نصطف خلف ممثليها، كما لا يمكن أن نصطف الى جانب معارضات “ربيعية” ترفع شعارات وتحمل مضامين تقسيمية عشائرية ومناطقية.

3- ما الحل؟

ليس صحيحا أنه علينا أن نختار بين خيارين لا ثالث لهما، إما مع من يمثلون الدولة الخاضعة للامبريالية المرتهنين لأجندة أعداء الأمة، وإما مع معارضة جهوية تقسيمية مشبوهة.

إن التحدي المفروض على أحرار تونس اليوم هو الدفع بالشارع نحو استرجاع سيادته على أرضه وثرواته المنهوبة وبسط سيطرة الدولة على كافة أراضيها، وبحديثنا عن الثروات المنهوبة فإننا نعني بذلك البترول والفوسفات والملح الذي تقوم فرنسا الاستعمارية بنهبه حتى اليوم وفق عقودٍ تمكنهم من استغلاله بالمليم الرمزي تم توقيعها منذ عهد البايات وعهد الحقبة الاستعمارية قبل عشرات السنين ولم يتم تنقيحها حتى يومنا هذا، بالإضافة إلى الثروة البحرية السمكية والإجهاز على الفلاحة المحلية عبر البذور المعدلة جينياً.

إن المطلوب اليوم هو حراك ثوري وطني جامع عابر للحساسيات الجهوية والعشائرية يسعى إلى توحيد المقسم لا إلى تفتيت المقسم ويدعوا إلى وحدة تونس والجزائر لا إلى فصل الجنوب التونسي عن شماله.

كما أن المطلوب من القوى الوطنية أن لا تكتفي بالمعارضة التقليدية المتفرجة والتي تطلق المواقف والتحاليل من دون تبني الحراك ولا إدانته، وأن لا تنساق وراء دعم النظام المرتهن للإمبريالية بحجة أن الحراكات مدمّرة ومشبوهة بالإرهاب.. وهنا يقصدون فقط الإرهاب الاخونجي ولا يرون الإرهاب الامبريالي رأس حربة كل إرهاب.  

المطلوب من القوى الوطنية إذاً هو أوّلاً الالتقاء على مبدأ توحيد الإمكانيات لمواجهة المد الإمبريالي بالبلاد ثم وضع وتنفيذ برنامج للاقتراب من الجماهير وتأطيرها في مختلف الجهات وإبعادها عن الاندفاع في جهاتٍ ونواحٍ محدودة وراء الحراكات الجوفاء وتنبيهها من المندسّين وأساليبهم لأن الفقر والتهميش والتعاسة تكاد تكون عامة في أغلب الجهات والمناطق من الشمال إلى الجنوب، من عين دراهم والكاف وطبرقة وسليانة وتالة والقصرين إلى سيدي بوزيد وبيرعلي وقفصة وتوزر وقبلي ودوز وقابس ومدنين وتطاوين، من دون أن نذكر الملاسين وسيدي حسين.  فحتى وإن كان الحراك مشبوهاً ومدعوماً من العملاء فإن المظلوميات التي يرتكز عليها حقيقية وفادحة وعامة، وفي غياب مثل هذا الموقف الوطني الثوري سوف يقع كما هو الحال تبني هذه الحراكات من جهات تدعمها قطر مثل المدعو منصف المرزوقي والتي تسعى لتعميم الفوضى الهدامة في أرجاء الوطن العربي وتريد الاقتراب من الجزائر لمحاولة حقنها بفيروس “الربيع العربي” المدمّر، وبالمقابل فإنّ وكلاء الامبريالية الماسكين بزمام الحكومة والدولة يستغلّون هذه الحراكات لتخويف المواطنين منها باعتبارها إرهاباً يهدّد الجميع ولا مجال لتحسين الأوضاع أفضل ممّا هو كائن والأولوية للجانب الأمني. وهذا كذب وتضليل بدليل رفض السلطة إعادة العلاقات مع سورية التي تحارب الإرهاب والقادم إليها بأعداد كبيرة من تونس.

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/Qawmi

انشر هذا المقال في المواقع التالية
Digg Delicious Stumbleupon Technorati Facebook Twitter