في انعكاسات الصراع ما بين النظامين القَطَري والسعودي

الصراع القطري السعودي

د. إبراهيم علوش 

تشرين 7/6/2017

 

 

الخلاف بين النظامين القَطَري والسعودي ليس خدعة أو توزيعاً للأدوار، إنما يمثل علامةً أخرى على تصدع مجموعة أعداء سورية، والتي طالما زعمت أنها “مجموعة أصدقائها”، مما لا يمكن إلا أن يكون له تأثيرٌ إيجابيٌ على محور المقاومة عموماً وسورية خصوصاً.

والخلاف بين النظامين القَطَري والسعودي لم يظهر أمسِ على كل حال، بل ظهر علناً وبوضوح قبل أربع سنوات عند الإطاحة بمحمد مرسي الذي صار نظامه رافعة للنفوذ القَطَري في مصر والإقليم، وظهر في صراع النفوذ بين النظامين داخل ما يسمى بـ”الائتلاف الوطني السوري” منذ إعلانه في الدوحة عام 2012، وظهر في نجاح النظام السعودي بفرض قيود على الدعم الذي تقدمه قَطَر لجماعات “الإخوان” و”الجيش الحر” في سورية، مقابل زيادة الدعم العسكري والمالي والاستخباري للعصابات المسلحة المنافِسة.

ولعل بعض أشرس الحروب والصراعات السياسية كانت ولا تزال تجري تاريخياً بين من يتنافسون على نفس الأرضية، وكما كتبت مرة تحت عنوان “قراءة في أبعاد الخلاف المصري-السعودي حول الملف السوري” (5/9/2013): “جاء الدعم السعودي والخليجي للاطاحة بحكم الإخوان المسلمين في مصر ضمن سياق تحجيم منافس عقائدي عنيد للوهابية، بالضبط لأنه ينافس على الجمهور على الأرضية الطائفية نفسها ويمتلك إضافةً للأدوات الوهابية ربطات عنق وعلاقات جيدة مع الغرب (آن باترسون، السفيرة الأمريكية السابقة في مصر المدافعة عن حكم الإخوان، نموذجاً) ويمتلك أيضاً مفردات الديموقراطية الليبرالية التي جرى تطويع الخطاب والبرنامج الإخواني ليلائمها.  لهذا بات صعود الإخوان في الإقليم خطراً وجودياً، غير مبدئي، لكنه حقيقي، على الوهابيين.  أما قطر، فيمكن للحكم السعودي أن يقلل من شأنها وحجمها وانتفاخها لولا الغاز وقناة الجزيرة، أما مصر فقيمة تاريخية وجغرافية وسياسية وعسكرية معتبرة لا يمكن التقليل من شأنها، فما بالك إذا وقعت في أيدي “الإخوان” وتم توظيف إمكاناتها لخدمة مشروعهم الإقليمي؟!”.

ونستطيع أن نفهم الصراع بين الحكم الوهابي في السعودية، من جهة، وما بين “القاعدة” و”داعش” من جهة أخرى، من خرم إبرة الصراع على “المشروعية” نفسها أمام الجمهور نفسه على الأرضية العقائدية نفسها، وكذلك الصراع الحاد ما بين “النصرة” و”داعش”، والكثير من الصراعات السياسية الحادة الأخرى في عالمنا وفي الإقليم، قديماً وحديثاً، ما بين أطراف تنتسب للمرجعية الفكرية أو السياسية نفسها.

ما سبق لا يمنع التقاطعات والتحالف في مراحل معينة ضد أطراف ثالثة، مثلاً، دعم حكام الخليج لحزب “الإصلاح” الإخواني في اليمن، والاحتضان الإخواني للتكفيريين في اليمن أيضاً، واستخدام “الإخوان المسلمين” كأداة سعودية في الحرب الباردة العربية ضد جمال عبد الناصر والأنظمة القومية العربية في فترة الخمسينيات والستينيات، والتقاطع السعودي مع قَطَر وتركيا وجماعة “الإخوان المسلمين” فيما يسمى “الربيع العربي” في ليبيا وسورية وغيرها. 

لكن مثل ذلك التحالف يظل هشاً، فهو أقرب لتقاطع يظل محكوماً بشروط عدم تهديد الأمن الاستراتيجي للأطراف المتقاطعة، بالحد الأدنى، وباستفادة الطرفين منه، بالحد الأقصى، فإذا ما تحقق الهدف الاستراتيجي للتحالف (ليبيا نموذجاً)، يبدأ الصراع على الغنائم ومناطق النفوذ، وعلى السلطة باختصار، وإذا ما تعثر تحقيق الهدف الاستراتيجي للتحالف (فشله في سورية نموذجاً)، يبدأ الصراع على تحمل مسؤولية الفشل والهزيمة وعلى ما تبقى “مكاسب”، وإذا حاول الطرف الذي تم توظيفه سعودياً كأداة (جماعة “الإخوان” في الإقليم) أن يتحول إلى قطب إقليمي منافس، يبدأ الصراع على الدور والصلاحيات والحجم في جميع الحالات.

النظام القَطَري بصفته نظاماً خارجاً عن طوع النظام السعودي منذ صيف عام 1995 كان لا بد له من أن يجد لنفسه “مشروعيةً” أيديولوجيةً موازيةً للمرجعية الوهابية التي تنبثق من الرياض، ومن هنا تبني الخط الإخواني ومشروع “التحديث” الليبرالي في آنٍ معاً، لأن الارتباط بالمرجعية الوهابية الصرف يضعه تحت عباءة النظام السعودي، وما كان من الممكن لدويلة صغيرة أن تخرج عن طوع المركز الإقليمي السعودي إلا بالاحتماء بقطب عالمي مثل حكومة الولايات المتحدة الأمريكية التي تقاضت ثمناً مقابل ذلك هو العلاقات التطبيعية مع الكيان الصهيوني التي كانت فضائية “الجزيرة”، منذ تاسيسها، رائداً في ترويجها للجمهور العربي من خلال تقديم الناطقين الرسميين وغير الرسميين باسم الصهاينة كـ”رأي آخر”! 

قاعدتا “العديد” و”السيلية” مصلحة للنظام القَطَري والمنظومة الأمريكية، وفي موازاة ذلك يتم وضع قاعدة تركية في قَطَر، وتحسين العلاقات مع إيران، وربط قَطَر بمشروع إقليمي، على أرضية الإسلام السياسي، من خلال جماعة “الإخوان” والنظام الأردوغاني في تركيا.  وفي مجمل الصراع الإقليمي مع المشروع السعودي، ثمة نقاط صدام ونقاط تقاطع ونقاط هدنة بين الطرفين، من ليبيا ومصر إلى سورية واليمن إلى لبنان وتونس.   والنتائج ليست دوماً مضمونة.  فمصر خرجت من الربقة “الإخوانية”/ القَطَرية، ولم تنخرط في المشروع السعودي في سورية، بل اصطدمت معه هناك.  وتركيا دخل مشروعها في أزمة مع تأكيد الدولة السورية لسيادتها على حلب، وفي أزمة أكبر مع تبني الأمريكان لـ”قوات سورية الديموقراطية”، وقبل ذلك مع سقوط مرسي في مصر وخروج جماعة “الإخوان” من المولد بلا حمص في مصر وعدة أقطار عربية ووصول مشروعهم إلى نهايته القصوى عام 2013 فعلياً. 

الغاز يظل نقطة تقاطع قَطَرية مع روسيا وإيران ما دام مشروع خط الغاز القَطَري المزمع عبر سورية قد فشل.  قمة الرياض السعودية مع ترامب كانت في أحد وجوهها تكريسٌ للمرجعية السعودية عربياً على حساب المحور القَطَري-التركي-الإخواني، والنظام الأمريكي في ظل ترامب لا يملك من الحصافة ما يجعله يمسك العصا من المنتصف بين المحورين الحليفين. 

الأهم أن تقدم الجيش العربي السوري من ريف حلب الشرقي إلى ريف حماة إلى ريف حمص إلى ريف درعا وضع جميع أعداء سورية في مأزق وفاقم من أزماتهم وصراعاتهم، وستنعكس هذه الصراعات إيجابياً بالضرورة بالمدى المنظور في حوارات الآستانة وجنيف، وسلبياً على تماسك البقية الباقية من العصابات المسلحة في الميدان، خصوصاً بعد تكريس الفصل مع “داعش” و”النصرة” رسمياً.  وما كان الشروع بالقضاء على “داعش” سيكون ممكناً أصلاً لولا إغلاق تركيا للحدود في وجهها.  أما استثناء المحور التركي-القَطرَي-“الإخواني” من مرحلة ما بعد “داعش”، فسوف يفاقم من الصراع مع المحور السعودي، ويعزز وضع محور المقاومة إقليمياً.

باختصار، صمود سورية أسهم بتصدع المحور المقابل، وتخبط الأمريكيين دفع بذلك المحور إلى الطريق المسدود، والنتيجة ستكون اضطرار الأمريكيين لملء الفراغ وتحمل العبء العسكري بانفسهم، وهو ما سيكرر سيناريو العراق وأفغانستان إذا حدث، أو أنهم سيضطرون للانسحاب وهم يجرون أذيال الخيبة، ولن تتمكن أدوات أمريكا السورية أو العربية من لعب هذا الدور عوضاً عنهم حتى لو استمر الاستنزاف.  

http://tishreen.news.sy/?p=93698

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/َQawmi

 

انشر هذا المقال في المواقع التالية
Digg Delicious Stumbleupon Technorati Facebook Twitter