موقفنا من الحراك في الريف المغربي: انتفاضة شعبية أم رقصة على أنغام “الربيع العربي”؟

19021454_334935460257797_1299244258_n

إبراهيم حرشاوي – لائحة القومي العربي

تصدّرت أحداث ما يسمى بـ”الحراك الشعبي في الريف” في الآونة الأخيرة الأخبار العربية والدولية، وتسود الكثير من التساؤلات في الشارع العربي عن ملابسات وخلفيات هذه القضية المركّبة والمعقّدة للغاية.  إنّ ما نقدمه كأجوبة على الأسئلة المطروحة أدناه، تحاول تسليط الضوء على حيثياث وخلفيات الأحداث في المغرب بُغية توضيح ما يمكن توضيحه لمن يهمه الأمر من المتتبعين للأحداث داخل المغرب والوطن العربي.

كيف بدأ الحراك في منطقة الريف شمال المغرب؟

بدأت الاحتجاجات بعد مقتل سمّاك مغربي اسمه محسن فكري في مدينة الحُسيمة شمال المغرب في منطقة الريف، وتتشابه الأحداث من حيث سرديتها بما حصل في تونس لمحمد البوعزيزي.  ففي الحادثتين يتم اتّهام الشرطة بمقتل مواطن كادِح بعد حرمانه من حق مواصلة البحث عن قوته اليومي.  تكمن شُبهة حادثة مقتل السمّاك المغربي في كيفية ترويج اتّهام الشرطة والمنظومة الأمنية، فقد تمّ الترويج للتهمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بسرعة فائقة قبل إجراء أي تحقيق رسمي حول الحادثة.   وزعمت هذه الرواية أنّ رجل الشرطة قام بإعطاء الأمر “بطحن” محسن فكري بينما كان الأخير يحاول استرجاع أسماكه التي احتجزتها الشرطة ورمتها في شاحنة النفايات، الأمر الذي يتشابه كذلك مع ادّعاءات قيام شرطية تونسية بصفع البوعزيزي قبل انتحاره.

ماذا يريد هذا الحراك وما هي خلفية الخطاب السياسي لناصر الزفزافي؟

اغتنمت شبكة من العناصر يتزعّمها المدعو ناصر الزفزافي مقتل السمّاك لتحريك الشارع الحسيمي والريفي تحت ذريعة تحقيق مطالب اجتماعية واقتصادية وثقافية للمدينة والمنطقة.  وقد تمّ اختصار جلّ تلك المطالب الاجتماعية والاقتصادية في بناء مستشفيات وجامعات ومعامل في المنطقة بحجّة أنّ المنطقة تتعرض للتهميش الممنهج من قبل الدولة المغربية.  أما بخصوص الشكل والمضمون، فإن حراك الحسيمة يختلف عن “حركة 20 فبراير” التي تشكّلت في بداية سنة 2011 في سياق أحداث “الربيع العربي” بسطوع نجم ناصر الزفزافي كأيقونة للاحتجاجات، ناهيك عن تغليف المطالب الاجتماعية بخطاب مؤطّر أيديولوجياً بعناية فائقة.  

ينبغي هنا التأكيد على أنّ هذه المطالب التي راح يعبّر عنها الزفزافي باسم الآلاف من جمهوره في مدينة الحسيمة وبعض مناطق الريف، قبل اعتقاله، كان يسودها خطاب جهوي يؤجّج نعرات عرقية ويلوّح بالقومية الريفية-الأمازيغية كوسيلة ضغط وشحن، خصوصاً عندما تمّ ربط “تهميش الثقافة الأمازيغية” بمطالب اجتماعية واقتصادية، الأمر الذي يهدف بشكل مقصود إلى تأطير المطالب ببعد عرقي بناءاً على مقاربة السوسيولوجيا الاستعمارية التي شكّلت صورة ثنائية الأبعاد لبُنية المجتمع المغاربي مفادها أنّ أسس تلك البنية تتجلى في التناقض بين “أغلبية أمازيغية أصيلة” ترضخ لحكم “تسلطي أٌقلوي عربي غريب” يبرر احتلاله “لبلاد الأمازيغ” باسم الإسلام.  وبناءاً على هذه المقاربة السوسيولوجية للاستعمار،  بنيت “السياسة البربرية الفرنسية” التي كانت تهدف إلى سلخ عروبة الأمازيغ وتطويعهم لتفكيك الرابطة العربية-الإسلامية بين أبناء المغرب العربي، واستبدالها بنعرة أمازيغية عرقية موالية لفرنسا.  وقد أصدرت السلطات الاستعمارية في المغرب سنة 1930 قرار أو تشريع “الظهير البربري” والتي أرادت بموجبه إلغاء الشريعة الإسلامية في المناطق الناطقة باللهجات الأمازيغية تمهيداً لسلخ الأمازيغ عن انتمائهم العربي- الإسلامي ودمجهم في مشروع فرنسا الكبرى.  ويجب التأكيد أنّ العلَم “الأمازيغي” الذي يتمّ رفعه من طرف أنصار النعرة الأمازيغاوية في بلدان المغرب العربي هو علم “الأكاديمية البربرية” في باريس، الذي وضعته دوائر استعمارية في فرنسا لمنطقة القبائل في الجزائر بهدف فصلها عن الجزائر، وقد تمّ اعتماده كعلَم رسمي لـ”جمهورية القبائل” المزعومة في الجزائر التي أعلن عنها الانفصالي فرحات مهني من على منبر الكنيست الصهيوني.

كل هذا يقتضي من أي تحليل جادّ الأخذ بهذا الموروث الاستعماري والمخطط الصهيوني في الحسبان لفهم أبعاد الخطاب السياسي لحراك الريف.  أما الجديد في هذا الموروث الاستعماري فهو تمكُّن زعيم الحراك ناصر الزفزافي من تصدير نموذج جديد للخطاب “العرقي الأمازيغاوي”، حيث قام بالتوفيق والمزاوجة بين “الشعبوية الإسلاموية” من جهة والشعوبية الأمازيغوية والجهوية الريفية من جهة أخرى، وهو ما يعد نموذجاً جديداً مخالفاً للخطاب الأمازيغوي العرقي الذي يتّسم به هذا التيارعموماً في المغرب والجزائر والذي يتّصف بالحدّة العلمانية المعادية للإسلام.  ففي خطابات الزفزافي طافت الشعوبية على السطح منذ بداية بروزه كقيادي لحراكه.  وفي كلمة ألقاها أمام حشد من الشباب اعتبر هذا الأخير “الاحتلال الإسباني أرحم من الاستعمار العروبي”.  وهي مقولة مألوفة في خطاب شعوبيي الحركة العرقية الأمازيغوية، وقد صرّح بها قبل سنوات رئيس غرفة التجارة والصناعة والخدمات في مدينة الناظور شرق الحسيمة طارق يحيى أثناء مقابلة مع قناة “بي أر تي في” التي تبثّ برامجها من باريس. وقد قال في تصريحه ما يلي: “إنّ الريف عاش تحت سيطرة الاستعمار الإسباني  الذي انتهى مع استقلال المغرب في عام 1956، لكنّه وجد نفسه، مباشرة بعد الاستقلال، خاضعاً لسيطرة استعمار جديد وهو الاستعمار العربي”.

فضلاً عن هذه المواقف المتطرفة التي تنادي جهاراً بالتخلّص من “الاستعمار العربي”، يُسجّل المتتبع لخطابات الزفزافي اتهامات عنصرية متكررة تستهدف عرب الخليج، حيث أنّه حذّر في كلمته الأخيرة في مسجد من قدوم من أسمَاهم “بطاريق الخليج” إلى الريف لاغتصاب النساء والأطفال.  يُضاف إلى ذلك وصفه للإعلامية الجزائرية خديجة بن قنة “بالجارية” لأنها دافعت عن عروبة بلدان المغرب العربي ووصَفَها بالوهابية ونعت القومية العربية بالعقيدة “الخبيثة”. كما وصف أتباعه بجنود مجنّدين للدفاع عن الهوية والثقافة الأمازيغية. كما أنه يقوم بتكرار تمجيد شخصيات تاريخية أمازيغية قبل الفتح الإسلامي كمسينيسا ويرغوطة والكاهنة التي عُرفت بمقاومتها للفتح العربي- الإسلامي.  هي إذن محاولة يقوم بها الزفزافي ومَنْ وراءه لإعادة إحياء الفترة الشعوبية والخوارجية (نسبة للخوارج) وموروثها في تاريخ المغرب الأقصى المعروفة باسم البرغواطية، وهي الفترة التي تمثل “اندلاع تمرّد بعض القبائل الأمازيغية بقيادة ميسرة المطغري ضد الحكم الأموي وقيام الدولة البرغواطية التي تبنّت إسلاماً أمازيغوياً بطقوس وثنية”.  

وينبغي الانتباه أنّ الحركة العرقية الأمازيغوية تقوم بقراءة تلاعبية وانتقائية للتاريخ العربي – الإسلامي في المغرب، وتبرِز الفترات الشاذة منه بشكل مشوّه لتعزيز مزعم أن الأمازيغ رفضوا الفتح العربي – الإسلامي وقاوموه بكل قوة. أما الأمازيغ فهم عرب وبإمكان كل مهتم بموضوع عروبة الأمازيغ أن يراجع أعمال  د.علي فهمي خشيم و د.عثمان السعدي والأستاذ سعيد عبد الله الدارودي وغيرهم ممن وثّقوا علمياً عروبة الأمازيغ على الصعيد اللغوي والثقافي والتاريخي.هذه الصورة الثنائية تتناقض مع عروبة الأمازيغ التي اثبثها التاريخ والثقافة واللغة، وبإمكان كل من يهتم بهذا الموضوع أن يراجع كتابات د. علي فهمي خشيم و د. عثمان السعدي والأستاذ سعيد عبد الله الدارودي وغيرهم من الذين وثّقوا عروبة الأمازيغ. أما ما تروجه “الحركة الأمازيغية” بمُختلف مشاربها في المغرب وباقي الدول المغاربية فيندرج في مشروع “الشرق الأوسط الكبير” الذي تتبناه الإدارة الأمريكية بهدف تفكيك القواسم المشتركة المتمثلة في العروبة والإسلامهذه الصورة الثنائية تتناقض مع عروبة الأمازيغ التي اثبثها التاريخ والثقافة واللغة، وبإمكان كل من يهتم بهذا الموضوع أن يراجع كتابات د. علي فهمي خشيم و د. عثمان السعدي والأستاذ سعيد عبد الله الدارودي وغيرهم من الذين وثّقوا عروبة الأمازيغ. أما ما تروجه “الحركة الأمازيغية” بمُختلف مشاربها في المغرب وباقي الدول المغاربية فيندرج في مشروع “الشرق الأوسط الكبير” الذي تتبناه الإدارة الأمريكية بهدف تفكيك القواسم المشتركة المتمثلة في العروبة والإسلامهذه الصورة الثنائية تتناقض مع عروبة الأمازيغ التي اثبثها التاريخ والثقافة واللغة، وبإمكان كل من يهتم بهذا الموضوع أن يراجع كتابات د. علي فهمي خشيم و د. عثمان السعدي والأستاذ سعيد عبد الله الدارودي وغيرهم من الذين وثّقوا عروبة الأمازيغ.هذه الصورة الثنائية تتناقض مع عروبة الأمازيغ التي اثبثها التاريخ والثقافة واللغة، وبإمكان كل من يهتم بهذا الموضوع أن يراجع كتابات د. علي فهمي خشيم و د. عثمان السعدي والأستاذ سعيد عبد الله الدارودي وغيرهم من الذين وثّقوا عروبة الأمازيغ.

أما الجهوية الريفية، فتجلّت في إحياء هذا الحراك لموروث المجاهد الوحدوي والعروبي عبد الكريم الخطابي بشكل مشوه كرفع علَم ” الجمهورية الريفية” التي أسسها عبد الكريم الخطابي بعد انهزام إسبانيا في بداية العشرينيات من القرن الماضي بهدف خلق قاعدة متينة لتحرير باقي المغرب من الاستعمار الإسباني-الفرنسي المزدوج وليس للانفصال.  والأخطر من ذلك، أنّ الزفزافي قام بجولات عديدة في قرى مجاورة لمدينة الحُسيمة لجمع الولاءات للحراك عبر تأدية قَسَم مشبوه يلوّح بشكل مستبطن بإمكانية حصول حرب تحريرية في الريف ضد “الاحتلال العروبي”، أي ضد تواجد الدولة المغربية في الإقليم وكلمات القسم واضحة لا تحتاج إلى تأويل: “أقسم بالله العظيم ألاّ نخون وألاّ نساوم والاّ نبيع قضيتنا ولو على حساب حياتنا عاش الريف ولا عاش من خانه”. وزيادة على القسم، ظهر “الزفزافي” في أحد المسيرات بحرّاس شخصيين قيل أنهم من مغاربة أوروبا، الأمر الذي يزيد من معالم سوء نية هؤلاء بظهورهم بمظاهر ميليشيوية.  أخيراً وليس آخراً، يجب الإضاءة على مقولة لا تخلو خطاباته منها وهي “جر البلاد إلى أنهار من الدماء”، فهو بهذا التعبير يهيىء جمهوره لمواجهة محتملة مع الدولة يكون مسارها انفصالياً.

والملاحَظ أيضاً منذ بداية الحرك تغييب أي مظهر من مظاهر الوطنية المغربية وبالأخص العلم الوطني المغربي الذين يتّهمونه على حد زعمهم “رمزا للاستعمار العربي للمغرب”.على حد زعمهم بأنّه “رمز الاستعمار العربي- الفرنسي” للمغرب.  وهذا مزعمٌ، بالإضافة إلى خطورته، ينافي الحقيقة تماماً ويعتبر تلاعباً واضحاً، فالعَلم المغربي لم يضعه المقيم العام الفرنسي بل كان نتيجة لصدور ظهير ملكي من طرف سلطان المغرب وقتذاك، مولاي يوسف، بشهر تشرين الثاني سنة 1915م.

كيف يتجلّى التدخل الأجنبي في حراك الريف؟

يتوّجب الوقوف عند حقيقة وجود حركة إنفصالية في هولندا أسّسها البرلماني المغربي السابق سعيد شعو وهي شبكة تتشكل من شخصيات مغربية من منطقة الريف تسعى إلى الإنفصال عن المغرب.  وقد نشرت هذه الحركة المتواجدة في هولندا في وسائل الإعلام، بعد انطلاق الحراك في الريف بشهرين، رسالة وجهتها إلى رئيس المجلس الأوروبي دونالد تُسك تطالب فيه الاتحاد الأوروبي بالتدخل لحماية “الريفيين” من “القمع” و”التطهير العرقي” الذي يتعرّضون له من طرف “الاحتلال المغربي”.  ومن جهته كان الزفزافي يبتز المغرب في خطاباته، التي كان يلقيها عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، زاعماً أنّ الجالية المغربية في أوروبا التي ينحدر معظم أبناؤها من منطقة الريف قادرة على الضغط على المغرب عبر المواقع السياسية الحساسة التي يتواجد فيها بعض أبناء الجالية.  وبالفعل، لقد شوهد رئيس برلمان جهة بروكسل البلجيكية، فؤاد أحيضار، يقوم بجولة استكشافية في ساحات الاحتجاجات في منطقة الريف، ويقوم بصفته الأوروبية بلعب دور”مدرس مادة الديمقراطية وحقوق الإنسان” لأبناء وطنه الأم.  وتجدر الإشارة هنا كذلك  أنّ الإعلام الأوروبي الرسمي وغير الرسمي يروج للحراك كأنّ الأمر يتعلق بشعب يواجه احتلال، وتجسّد ذلك في  وصف أهل المنطقة في معظم الحالات  بـ”الشعب الريفي” أو “الأمازيغ” وليس بالمغاربة.  وفي نفس الوقت يتمّ غضّ الطرف عن احتجاجات اجتماعية لا تمس بالوحدة الوطنية في كل من مدينتي آسفي والخريبكة، إذ لم تحظَ تلك الاحتجاجات بأي تغطية إعلامية، ولم تكن فيها لجان إلكترونية “مشبوهة” تصنع الأحداث، ولم تحظَ بدعمٍ خارجيٍ أو تضامنيٍ، ولم يقفْ اليسار الأوروبي أو يسار “الربيع العربي” معها. 

علاوة على ذلك، يتجسد التدخل الأجنبي في توفير دعم لـ”الجمعيات والحراكات العرقية الأمازغوية” مثل مؤسسة تابعة للاستخبارات الأمريكية معروفة باسم “مبادرة الشراكة للشرق الأوسط”.  كما لا تخفى العلاقة العلنية بين قيادات الحركة العرقية الأمازغوية كمنير كجي وأحمد الدغرني وملكة مزان مع قادة أمنيين داخل الكيان الصهيوني.  وهنالك أيضاً نقطة مهمة تتعلق بالتدخل الدولي للضغط على الحكومات المغاربية، حتى أن لجنة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الأمم المتحدة أصدرت قبل سنتين تقريراً تطالب فيه المغرب بالاعتراف بحقوق الأمازيغ.  فالأمر يتعلق بممارسات ابتزازية للدول الاستعمارية لضمان طاعة هذه الدول في ظلّ التحولات الجوهرية التي يشهدها النظام الدولي مع ظهور دول “البريكس” والدول الصاعدة في العالم الثالث.

هل هناك دور إسباني في هذا الحراك؟

ليس لها دور مباشر في الأحداث، لكن لدى اسبانيا مشروعٌ طويلُ النفس لبسط نفوذها في المنطقة الشمالية التي كانت تحت احتلالها حتى سنة 1956، إضافة إلى احتلالها لمدينتي سبتة ومليلية والجزر الجعفرية لقرون.  وينبغي التأكيد مجدداً أنّ الزفزافي أعطى للاحتلال الإسباني إشارةً ودّيةً عندما اعتبر أن الاحتلال الإسباني للريف أرحم من “الاستعمار العروبي”، متجاهلاً جرائم الاحتلال الإسباني تجاه مغاربة الريف وقصفهم بالقنابل الكيماوية أثناء حرب التحرير، كما عزف عن مطالبة الدولة الإسبانية بالاعتذار والتعويض عما قامت به بينما يقوم بتضخيم وتهويل قمع التمردات والمظاهرات التي شهدتها منطقة الريف عامي 1958م و 1984م.

وفيما يتعلق بسياسة إسبانيا تجاه المغرب فقد كانت ملونة دائماً بالنيو–كولونيالية. ومثال ذلك سياستها الثابتة في بسط نفوذها الثقافي في المنطقة الشمالية التي احتلتها حتى استقلال المغرب سنة 1956م.  وقد أكّد أنطونيو فيليث، المستشار التربوي بالسفارة الإسبانية، أن هدف بلاده على المدى البعيد أن يتحدث ثلث تلاميذ المغرب بالإسبانية وستحاول حكومة بلاده (عبر اتفاقيات شراكة مشبوهة) مع وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي في المغرب تعزيز حضور اللغة الإسبانية في المؤسسات التعليمية المغربية، هذا إضافة  لوجود مدارس تابعة للبعثة الإسبانية في نواحٍ عديدة في المغرب.

ولتعزيز صورة الاختراق الإسباني فيما يخصّ المكون الأمازيغي، ينبغي لفت الانتباه إلى نشاط أكاديمي مشبوه تمّ تنظيمه في المعهد الثقافي الإسباني في العاصمة المغربية بداية هذا الشهر بشراكة مع جريدة “العالم الأمازيغي” تحت شعار “أية علاقة بين الأمازيغيين والإيبرييين؟ّ”.  وقد أكّد الباحث الإسباني أنطونيو أرنايث فيينا على خرافة وحدة الأمازيغ مع الإيبيريين (الإسبان) على مستوى اللغة والدين، موضحاً ذلك بـ”صور ووثائق”.  ولتعزيز موقفه هذا، قام بإبراز أكذوبة أخرى تفيد قرب الإييبريين جينياً من الأمازيغ.  أما في مدينة مليلية المغربية المحتلة الواقعة في منطقة الريف، فقد صدر قرار عن سلطات الاحتلال الإسباني في ذروة الحراك لتوسيع نطاق تدريس اللهجة الأمازيغية، ما يعد مغازلة للتيار الأمازغوي العرقي، وهو قرار يهدف إلى سلخ الريف عن الانتماء للمغرب تدريجياً.  وعلى الصعيد الرسمي، كانت الحكومة الإسبانية أول دولة أوروبية تصدر موقفاً تطالب فيه المغرب باحترام دولة الحق والقانون.

هل توجد خطة لتقسيم المغرب؟

نعم، المغرب يتعرّض كباقي الدول في المغرب والمشرق العربيين إلى مخطط تقسيم يندرج تحت مشروع الشرق الأوسط الكبير.  فقد كشف الناشط العروبي – الأمازيغي د. أحمد ويحمان (رئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع)، تفاصيل مهمة حول هذا الموضوع ربطها بالاختراق الصهيوني للمغرب، وقد صرّح عن ذلك في مقابلة مطوّلة أجرتها معه أسبوعية مغربية، حيث شرح بالتفصيل أبعاد المخطط لتقسيم المغرب إلى أربع جمهوريات (جمهورية الصحراء الغربية، جمهورية الريف، جمهورية سوس، جمهورية أسمار). وقد أكّد في هذا السياق بأنّ “جمهورية الريف” أصبحت جاهزة بعَلَمها وخريطتها ونشيدها الوطني.  وتطرّق إلى مخطط آخر يستهدف فصل الصحراء الشرقية عن المغرب، وهي منطقة تقع على طول الحدود الجزائرية –المغربية في الجنوب الشرقي.  وأوضح أن العلاقة بين مخطط “جمهورية الريف” و”جمهورية أسمار” ترعاه الجهة الصهيونية نفسها بتعاون مع جمعيات محلية في منطقة الشرق الجنوبي.  واستتبع بالقول أنّ هناك معسكرات أمازيغية في منطقة الجبل الغربي التي تسكنها قبائل ناطقة باللهجة الأمازيغية تمّ تأسيسها بعد إسقاط الدولة الليبية من طرف حلف الناتو و”ثواره”، وتوظّف هذه المعسكرات لتدريب عناصر من الحركة الأمازغوية العرقية عسكرياً في المغرب العربي الكبير بغرض عسكرة قضيتهم المزعومة.  وقد  كشف ويحمان عن تصريح منسوب لرئيس الاستخبارات الصهيونية “الموساد” الأسبق عاموس يدلين يقول فيه بأنه قام بإرساء شبكة متكاملة من العملاء جاهزة للتأثير والتخريب في أي لحظة في المغرب العربي.  

أخيراً، من المهم تحميل المسؤولية لسياسة الدولة المغربية التي ساهمت في التفتيت الهوياتي وتهميش الوطنية المغربية ببعدها العربي-الإسلامي.  فالتعديلات الدستورية في المغرب (سنة 2011)، والتي اعتمدت على مقاربة ليبرالية-فردانية، بعثرت الهوية المغربية إلى هويات فسيفسائية تعزز المخطط “الشرق أوسطي” الرامي إلى قومنة اللهجات المغربية من جهة وخدمة ثقافة الاستعمار والعولمة من جهة أخرى بدلاً من الهوية المغربية الجمعاء.  كما يتغلغل الاختراق أيضاً بالنهج الاقتصادي الليبرالي الذي يضعف الدولة في إدارة الشأن الاستراتيجي للبلاد، بحيث أنّ سياستها تكون مفصلة لخدمة المستثمر الأجنبي ورأس ماله، عوضاً عن خدمة مصلحة الوطن والمواطن بالدرجة الأولى.

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/Qawmi

 

انشر هذا المقال في المواقع التالية
Digg Delicious Stumbleupon Technorati Facebook Twitter