في حرب “التحالف الدولي” على سورية

19206463_1693609867335880_2098385043_n

د. إبراهيم علوش 

تشرين 14/6/2017

كان من الواضح، منذ دخل ما يسمى “التحالف الدولي” الميدان السوري، أنه انخرط ميدانياً في أجندة احتواء “داعش” لا الإجهاز عليه، وأن هدفه الحقيقي انصب على السعي لـ”احتواء” روسيا دولياً ومحور المقاومة إقليمياً والدولة السورية محلياً.   فقد كان جلياً، للبعض على الأقل، أن حديث “التحالف” كان عن “داعش” فيما عينه على سورية.  فبقي عاماً تقريباً وهو يداعب “داعش”، وكانت باكورة القصف الأمريكي لـ”داعش” في العراق في صيف عام 2014 عندما اقترب من مناطق الأكراد، حتى دخل الروس على الخط السوري بطلب من الحكومة السورية بعدها بعام، فاضطر لمجاراتهم قليلاً، لكيلا يبدو سخيفاً.  وعندما اتضح أن الإرهاب التكفيري بدأ نجمه بالأفول، انخرطت الولايات المتحدة وحلفاؤها في مشروعٍ لا علاقة له البتة بمحاربة “داعش”.  

لكن “التحالف” في سورية اليوم كشر أخيراً عن أنيابه وعن أجندته الحقيقية، إذ لا يكاد يمر أسبوعٌ أو عشرة أيام إلا وقد ارتكب مجزرة مروعة ضد المدنيين السوريين، كما حدث الأسبوع الفائت في الرقة، وكما حدث الأسبوع الذي سبقه في مدينة الميادين شرق سورية، وكما حدث قبلها في بلدة “السكرية” في ريف دير الزور، وكما حدث في 15 أيار الفائت عندما قتلت غارة لـ”التحالف” 22 سيدة يعملن في محصول القطن في ريف الرقة الشرقي.

وهو غيضٌ من فيضٍ لما يتوقفْ، بل تصاعد، منذ كثفت الولايات المتحدة مساعيها للإمساك بالقسم الشرقي من سورية من مطار الرميلان وتل بدر شمالاً إلى التنف والزكف جنوباً.

سِجِل حكومة الولايات المتحدة في استهداف المدنيين جواً وبراً في العالم الثالث عموماً، وفي الوطن العربي خصوصاً، غنيٌ عن التعريف، لكن ارتقاء الشهداء المدنيين السوريين تباعاً على يد طيران “التحالف” وصواريخه لا يكشف الاستهتار اليانكي المألوف بحياة المدنيين العرب فحسب، ولا يمثل سلسلة “مؤسفة” من الأخطاء الدموية كما دأب على الزعم، بل يشكل عنصراً تقليدياً في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية، كما رأينا ملياً في العراق وفي غيره، وعنصراً رئيسياً في الاستراتيجية العسكرية الصهيونية، كما رأينا في فلسطين عموماً وفي غزة خصوصاً، لإيصال رسالة بالأبجدية “الداعشية” لكل من يهمه الأمر: “نحن قادمون، والويل لكل من يقف في طريقنا”!   فهي رسالة إرهاب دولة، لكنها رسالة تكشف أيضاً الهوية الحقيقية لمن “يقتل الشعب السوري”، إلى جانب الإرهابيين الذين نعموا طويلاً أو لا يزالون ينعمون بدعم الدول الراعية للإرهاب المنضوية في إطار “التحالف الدولي”.  وهي رسالة تزيد من المشهد السوري دمويةً وتعقيداً من دون أن تنال حظها من الإضاءة الإعلامية في مواجهة من لا يملون من خلط الأوراق وتشويه الحقائق، فقد دخلنا اليوم علناً في مرحلة حرب “التحالف الدولي” (وأذرعه الإقليمية) على سورية دولة وشعباً وحلفاء.

بأي حقٍ تقرر الولايات المتحدة وبريطانيا انتزاع قواعد عسكرية في دولة ذات سيادة مثل سورية من دون موافقتها؟  وبأي حق تقوم بتدريب وتسليح ودعم ميليشيات إرهابية في سورية، وبرسم “خطوط حمراء” وهمية في الرمال على بعد عشرات الكيلومترات من قاعدة التنف تتشدق بصلفٍ معهودٍ إنّ “من الممنوع” على الدولة صاحبة الحق والسيادة الذي لا يُنازع على أرضها أن تتجاوزها؟   بأي حقٍ يقصف “التحالف” القوات التي تتحرك على أرضها بقرار من دولتها وقواتها المسلحة بذريعة اقترابها من خط أحمر مزعوم؟  وماذا كانت دول “التحالف” ستقول لو تعرضت لمثل هذه “الزعرنة” من قِبل دولة أخرى؟!   

الولايات المتحدة وحدها، من بين دول العالم، تعطي نفسها الحق بتجاوز أي مقاييس أو مرجعيات، حتى تلك التي تضعها هي، بذريعة “الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية”.  إنه قانون الغاب شئنا أم أبينا، فلا يفيد معه التضرع لـ”القانون الدولي” وما شابه، لمن يتوانى عن تعبئة وحشد أسباب القوة في صفه.

إنها مرحلة حرب “التحالف” على سورية التي يشارك فيها حلفاءُ إقليميون وأدوات محلية سورية، وهي صفحةٌ جديدةٌ في الأزمة السورية لكنها لن تكون صفحتها الأخيرة، فتلك لن يكتبها إلا السوريون ومن يوافق السوريون أن يكتبها معهم من اصدقاءٍ وحلفاء.  وقد شرعوا في كتابتها من لقاء القوات العراقية والسورية شمال التنف تماماً، إلى قطع طريق العصابات المسلحة و”التحالف” عبر البادية إلى دير الزور من الجنوب، وتثبيت نقاط التواصل مع العراق عبر البادية السورية، وتأسيس نقطة في خربة رأس الوعر مقابل قاعدة “الزكف” لـ”التحالف”، وتأكيد سيادة الدولة على أجزاء كبيرة من البادية السورية، مما أدى عملياً لعزل قاعدتي “التنف” و”الزكف” عسكرياً ومهّد لتحرير دير الزور التي صد فيها الجيش السوري في الأيام الأخيرة هجمات عنيفة لداعش. 

وكما على الحدود مع العراق، كذلك على الحدود مع الأردن، حيث كثّف الجيش العربي السوري والقوات الرديفة والحليفة من ضغطهم على إرهابيي “النصرة” و”داعش” في ريفي محافظتي درعا والسويداء، وصولاً إلى ريف دمشق، ليتم الاتصال مع ريف حمص والبادية السورية من جهة الغرب، ولقطع الطريق على أي محاولة لتأسيس نقاط مماثلة للتنف والزكف من جهة الجنوب.     

وفي ظل كل تلك الإنجازات الميدانية المشرقة على الحدود، أضاء السيد الرئيس بشار الأسد نقطة لا تقل إشراقاً قبل أيام عندما ترك سيارته وحراساته ودخل إلى مهرجان تسوق “صنع في سورية” في المزة ليصافح الناس ويتجول بينهم ويتحدث معهم لكي يرسل رسالة قوة واثقة مطمئنة من لدنه إلى من يهمه الأمر أيضاً من دون أن يقولها حرفياً: نحن لا نخافكم، فقد قررنا أن نعيش وننتصر.  نحن نصنع ونقاتل.   ونحن الذين سنصنع مستقبل سورية.   

http://tishreen.news.sy/?p=94953

 للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/Qawmi

 

انشر هذا المقال في المواقع التالية
Digg Delicious Stumbleupon Technorati Facebook Twitter