خطوط التماس أصبحت الآن مع الدول الداعمة للتنظيمات الإرهابية وليس مع المرتزقة ذاتهم

20504263_360509604367049_545535503_n

خلال زيارته لصحيفة «تشرين» علوش:

خطوط التماس أصبحت الآن مع الدول الداعمة للتنظيمات الإرهابية وليس مع المرتزقة ذاتهم

 

حاوره: بديع منير صنيج 2017/07/31

منذ لقائنا الأول مع الدكتور إبراهيم علوش أثناء زيارته مؤخراً لمقر صحيفة «تشرين» شعرت بأنني أعرفه منذ زمن، فهذا الإنسان المنتمي لأفكاره ومواقفه، والمتمسك بمبادئه على اختلاف الأثمان، من غير الجائز ألا يكون صديقاً، فكيف إن كان من أشد المُناصرين لسورية وشعبها، هو من مواليد الكويت عام 1963، والده من بير زيت في الضفة الغربية المحتلة، ووالدته من مدينة الناصرة، بدأ نشاطه السياسي في لبنان في الفترة الذهبية للحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية، وشارك في القتال المسلح ضد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، وبكل جوارحه كان قومياً منذ نشاطه في «حركة التحرير الشعبية العربية» وحتى تأسيسه للائحة القومي العربي، حاصل على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة أوكلاهوما ورافض للحصول على الجنسية الأمريكية، ومعروف بنشاطه المناهض للصهيونية ما قاده للاعتقال عدة مرات في الأردن وإيقافه عن التدريس في جامعاتها بسبب قيادته مسيرات طلابية مطالبة بإغلاق السفارة الإسرائيلية في منطقة الرابية في عمان.

يُشاركنا منذ عدة أشهر في الكتابة لصفحة «رؤى عربية» ومحاولة في الاستزادة من آرائه وتحليلاته السياسية كان معه هذا الحوار:

كيف ترى الوضع في سورية الآن أنت الذي تكثَّفت زياراته لدمشق ولم ينقطع عنها طوال السنوات الست الماضية؟

الوضع في دمشق أفضل مما كان عليه حتى قبل سنة، ففي 2013 كانت التنظيمات الإرهابية تستهدف بالقذائف الأحياء السكنية في دمشق وأحياناً يستمر الاستهداف طوال الليل، أما اليوم فالوضع مختلف والعاصمة آمنة تماماً فلم نعد نسمع شيئاً.

من المؤكد أن الأمور لن تصبح طبيعية بشكل مفاجئ، لكن الاتجاه بات واضح النهاية وبات من الصعب أن ينعكس، إذ أصبحت خطوط التماس الآن هي الحدود الخارجية للجمهورية العربية السورية، أي ليس مع التنظيمات الإرهابية، وإنما بشكل مباشر مع الدول الداعمة لها، ومع المشغلين لتلك التنظيمات ، التي كلما اقترب التماس منها تخرج من جحورها، إذ لمسنا حجم التوتر عندما اقترب الجيش العربي السوري والقوات الحليفة والرديفة من الحدود الأردنية، فبات هناك حالة ذعر واستنفار، تحت عنوان «عدم ارتداد الإرهاب» إلى الأردن، مع أنه كان ينبغي أن يكون ذلك التفكير منذ البداية، والأمر ذاته بالنسبة لبقية دول العالم المُصدرة للإرهاب إلى سورية.

وهناك نقطة ثانية، وهي أن هناك شحناً طائفياً كبيراً جداً ضد حزب الله والحرس الثوري الإيراني ولواء الفضل العباس وغيره، مع العلم أن من حق الجمهورية العربية السورية أن تؤكد سيادتها على كل رقعة وكل حبة تراب، ومن حقها أن تختار من سيساندها.

ماذا يمكن أن يحصل في المرحلة المقبلة بعد دخول الأصلاء بدل الوكلاء في الحرب على سورية؟

داعمو الإرهاب في سورية لا يستطيعون أن يدخلوا ضمن حرب مباشرة، لأن في مواجهتهم قوى مضادة تصميمها أعلى وتمسكها أكبر، واستعدادها للتضحية كبير، لكن في إمكانهم أن «يحركشوا» هنا وهناك، وأن يشكِّلوا عنصر إلهاء لتقدم الجيش العربي السوري، لأنه في النهاية السعي الأكبر، بناء على تحليلي الشخصي، هو «إلغاء» حزب الله من المعادلة الإقليمية، وهذا الطرح يتم تداوله بكثرة، في محاولة لإجهاض نتائج إسهامه إسهاماً مباشراً بصمود الدولة السورية، إلى جانب الجيش العربي السوري والشعب السوري والقيادة السورية، وتأديته دوراً رئيساً في التصدي لخطر آخر وهو التمدد التركي الإخواني القطري، وهذا بشكل موازٍ لمواجهته للهجمة الإرهابية السعودية، ودوره العسكري بات يفوق دور عدة جيوش عربية، وأنا أستشعر أن الفصل المقبل من الحرب سيكون إثارة مشكلة مع حزب الله، وهو ما يصب ضمن استراتيجية ترامب «لاحتواء» إيران إقليمياً، ولاسيما أن مراحل تكسير العظم التي من الممكن أن تقوم بها أمريكا أو «إسرائيل» باتت من الماضي، ولذا أحس، أيضاً بالتحليل، أن هناك محاولة لتحريك شيء في مصر.

حدِّثنا أكثر عن تحليلاتك فيما يتعلق بحزب الله ومحاولة افتعال مشكلات معه.

دور حزب الله لم يعد يقتصر على الساحة اللبنانية، بل بات يلعب دوراً إقليمياً كبيراً سواء في سورية، من خلال إسهامه المباشر في محاربة الإرهاب، وهناك ساحات خارجية أبعد من سورية، بصفة استشارية، أو صفات سياسية مختلفة، وبات مرجعية للكثير من المناهضين للولايات المتحدة الأمريكية وهيمنتها، خارج معسكر المقاومة، وداخله، وليس فقط في لبنان وإطار بلاد الشام، لذلك أعتقد أنه ضمن استراتيجية ترامب «احتواء» إيران، وتقليل ما يعدونه «النفوذ» الإيراني في الإقليم، يمكن أن يحاولوا عمل شيء باتجاه حزب الله، وفي النتيجة إنها مجرد حسابات ولا يعني ذلك أنها ستنجح، بل قد تفشل تماماً مثلما فشلت في سورية، فنحن ضمن حلبة ولذا يمكن تسجيل بعض النقاط هنا أو هناك، لكنهم ليسوا في وضع المسيطر الذي يستطيع أن يملي شروط اللعب، وسينتج عن ذلك في –رأيي- بعض التخريب السياسي، ولا ننسى أن خلف ما يجري هناك أطراف إقليمية ليس فقط تركيا والكيان الوهابي في الجزيرة العربية، أيضاً الكيان الصهيوني بشكل مكمل، والآن التحالف بين السعودية والكيان الصهيوني ترتسم معالمه أكثر فأكثر، ولاسيما فيما يتعلق بحزب الله، وهذا لا بد من أن تكون له أبعاد ميدانية كما رأينا ذلك في سورية، بمعنى أنه متابعة للمعركة قد يجد مدخلاً له في الساحة اللبنانية.

كيف تنظر إذاً إلى معركة جرود عرسال؟

في رأيي هذه المعركة في أحد أبعادها هي إغلاق الطريق على أولئك الذين يريدون فتح جبهة في لبنان… الآن ثمة فائض من التكفيريين بعشرات الآلاف أين سيذهبون بهم؟ الدول التي صدرتهم إلى سورية غير معنية باستعادتهم، ولذلك أحد المنافذ المحتملة لحل المشكلة قد يكون محاولة تصديرهم من جديد إلى لبنان، هذا احتمال، فحل المشكلة بهذه الطريقة يضرب أكثر من عصفور بحجر، الآن بعض ما يؤخر حل الأزمة في سورية هو شروط التعامل مع هؤلاء التكفيريين، لذا فإن فتح الباب إلى لبنان قد يحل جزءاً من المشكلة… معركة جرود عرسال محاولة فعّالة لإغلاق الطريق على هذا الاحتمال، ففي الأساس حزب الله دخل إلى الساحة السورية لحماية ظهر المقاومة بعد عدة تصرفات عبر سهل البقاع وعبر المنطقة الجنوبية للحدود اللبنانية السورية. الكيان الصهيوني يعاني مأزقاً كبيراً لأن جزءاً كبيراً من التنظيمات الإرهابية مدعوم من الكيان والجميع يشيرون إلى علاج آلاف الإرهابيين، لكن في الصحف الأمريكية تم تجاوز العلاج في المشافي الإسرائيلية، وبات الحديث عن جدول للرواتب الشهرية المقدمة للميليشيات، إضافة إلى الدعم بالغذاء إذ رأينا صوراً لأكياس حليب وأرز وغيرها عليها كتابات عبرية خصوصاً من جهة محافظة القنيطرة، لكن يبقى في المعادلة ذاتها بعض الأطراف الأخرى، ماذا يمكن أن يحصل من جهة الأردن، أو من جهة تركيا؟…

كيف ترى الأمور على تلك الجبهات؟

في رأيي تم إغلاق الطريق بشكل شبه تام على المدى المنظور على تدخل أردني بري في سورية، وهذا طُرِح لفترة، والآن هناك إصرار رسمي أردني على أنه لا ينبغي التدخل، بعد المراهنة على بعض الميليشيات الموجودة في البادية القريبة من معبر التنف، ولكن فعلياً من دون دعم الطيران الأمريكي وفي حال رُفع هذا الغطاء عنهم لن يستطيعوا أن يستمروا.

من الجهة التركية ثمة مشكلة عويصة أكثر هي إدلب، لكن حتى في هذا السياق، نرى الصراع بين «جبهة النصرة» والجماعات المدعومة تركياً، وعصبها الأساس جماعات الإخوان المسلمين، في إدلب وجوارها، هذا يضعف إمكانية استخدام هذه الميليشيات لإحداث اختراق كبير كما في عام 2013 و2014، الموضوع منتهٍ، قد يسبب إرهاباً هنا واختراقاً بسيطاً هناك، قصف أو سيارة ملغومة… لكن لا يستطيع القيام بعملية اكتساح، ولاسيما أن نسبة كبيرة من الشعب السوري والعربي اكتشفت معالم المؤامرة، وبعد أن تعاملوا فترة مع المسلحين ما عادوا قادرين على استيعابهم، بعد أن انكشف كذب ادعاءاتهم بأنهم «جماعة حرية وجماعة إصلاح»، بل ثبت أنهم جماعة «زعرنة»، وقتل واغتصاب وسرقة وحرق، وحتى الحاضنة الشعبية على قلتها ملّت منهم، وصراعاتهم الداخلية زادت من ذلك، فالاشتباكات شبه يومية في المناطق التي تسيطر عليها الميليشيات، وأعتقد أننا نسير باتجاه النهاية السعيدة، ولا أقول إنها ستكون بلا أثمان، وذلك حتى لا نمني الناس بالآمال، كنت في عام 2013 و2014 أقول إن الأزمة لم تنته، والآن أعتقد أننا في الربع الأخير من المباراة إن صح التعبير، ولكن لا نستطيع القول إنها انتهت، لكن سورية ماضية بإعادة البناء ولملمة الجراح الداخلية على مستوى اجتماعي، وليس فقط على مستوى البنية التحتية، فمثلاً تعبيد الطريق بين الزبداني وبلودان في ظروف الحرب هذا ليس سهلاً.

ما الممكن على الصعيد القومي العربي، بعد أن بات هناك تباعد بين بعض الأشقاء؟ كيف ترى الصورة عربياً؟

أولاً ينبغي أن نميز بين منظومة التجزئة القطرية العربية التي وضعتها اتفاقية سايكس-بيكو لكي تتحارب تلك الأقطار مع بعضها وتمنع قيام أي نزوع وحدوي، وبين المشروع القومي الوحدوي الذي تفرضه الحاجة الموضوعية. ثبت الآن أنه لا يمكن أن ينجز الأمن القومي لأي قطر عربي من دون أمن قومي عربي، وهذا بحاجة إلى منظومة تتجاوز الأقطار، وثبت أنه لا توجد عملية تنمية اقتصادية حقيقية لحل أزمات السكن والبطالة وكل المشكلات الاقتصادية التي يعانيها الوطن العربي من دون سوق عربية مشتركة وتكامل اقتصادي عربي، وإن كنا اليوم بعيدين عن استيعاب هذه الدروس التي كانت معروفة وبديهية في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، فلا بد من أن الواقع سيفرض علينا مجدداً إعادة اكتشافها، لأن الواقع الموضوعي يتطلب ذلك.

المشروع القومي ربما تقهقر قليلاً أو تعثر قليلاً، لكن الحاجة إليه لا تزال قائمة، والعدوان على سورية في أحد جوانبه الرئيسة له علاقة باحتضان سورية للمقاومات ودعمها للقضية الفلسطينية والقضايا العربية عموماً، وأيضاً بسبب احتضانها لمشروع قومي، وفي رأيي أنه لا أمن حقيقياً للوطن العربي على المدى البعيد، إلا بمشروع قومي، لأنه في غياب مثل هذا المشروع، بدأ الناس يفكرون بالطوائف والمناطق، والتهديد الذي تعرضت له سورية سوف يتكرر إن لم تستطع سورية أن تنقل المعركة إلى عقر دار من صدَّروا الأزمة إليها.

أرى أن محاولة تكريه السوريين بالعروبة هو جزء من هذه المؤامرة، لا خيار لسورية إلا التمسك بالمشروع القومي، وهذا قدرها الذي من دونه لا يوجد أمن وطني ولا وحدة وطنية على الصعيد العربي، إذا لم نكن عرباً فسننقسم بحسب المذاهب والطوائف، فالعروبة هي الرابط الوحيد الذي يجمعنا، لذلك إعادة إحياء المشروع القومي هو الخيار الوحيد للقوى الحية في هذه الأمة، والذين نأمل -نحن في لائحة القومي العربي- أن نكون أحد روافدها، ورفاقنا في تونس يقيمون اعتصاماً أسبوعياً منذ ما يزيد على 184 أسبوعاً للمطالبة بإعادة العلاقات الدبلوماسية بين سورية وتونس التي قطعها المرزوقي والغنوشي الإخوانيين، وشعار الرفاق: «تلغى السفارات بحالة واحدة لما تقوم دولة الوحدة».

 

http://tishreen.news.sy/?p=103032

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/Qawmi

انشر هذا المقال في المواقع التالية
Digg Delicious Stumbleupon Technorati Facebook Twitter