لماذا تستطيع الإمبريالية أن تفرض العقوبات على الدول المستقلة؟

20793501_1764545623575637_1521224649_o

د. إبراهيم علوش

تشرين 9/8/2017

 

كان الكونغرس الأمريكي مشغولاً خلال الأسابيع الأخيرة بفرض عقوبات جديدة على روسيا، وأخرى على فنزويلا، وعلى كوريا الديموقراطية، وعلى إيران، ومشروع عقوبات على “حزب الله”، وقد شهِد شهر نيسان الفائت فرض عقوبات أمريكية إضافية على سورية… وعلى الأغلب تسعى تلك العقوبات للضغط على شرايين الحياة الاقتصادية أو المالية أو المصرفية للدول والقوى التي تعدّها واشنطن “خارجة عن طوعها”.  لكن العبرة لا تكمن بـ”الرغبة” الأمريكية في فرض مثل تلك العقوبات، بل بالقدرة على فرضها، وهو ما يفترض أن يثير اعتراضاً جوهرياً لا على”المشروعية السياسية” لفرض أي حزمة عقوبات في كل حالة فحسب، بل على هيمنة النخبة الأمريكية الحاكمة التي تشكل الكتلة الصهيونية جزءاً عضوياً مندغماً فيها، على مفاصل النظام الاقتصادي والمالي والمصرفي الدولي.  فذلك يمكنها منتوظيف تلك المنظومة الاقتصادية الدولية لابتزاز الدول والجهات التي تخطو أي خطوة مخالِفة لواشنطن، مما يكشف جانباً مهماً من منظومة الهيمنة الدولية التي تحمل اسم “إمبريالية”، حتى لو لم تقترن بأي احتلال عسكري مباشر، ومما يطرح بقوة أهمية إيجاد منظومة دولية بديلة تحل محل منظومة الهيمنة الإمبريالية على العالم.  وهذا الصراع المحتدم بين الإمبريالية من جهة، والنزعات الاستقلالية من جهةٍ أخرى، يمثل التناقض الرئيسي في عالمنا المعاصر اليومالذي يتراءى لنا اليوم أحد أبرز تجلياته المتفجرة على أرض سورية، وعليه ليس من المفاجئ بتاتاً أن نجد أن القاسم المشترك بين الدول والقوى المستهدفة مؤخراً بالعقوبات الأمريكية هو موقفها الإيجابي من سورية كعنوان للنزعة المستقلة في زماننا.

من البديهي أن صعود قوى دولية مستقلة مثل دول منظومة “البريكس”، وقوى إقليمية طامحة، من فنزويلا لإيران لكوريا الديموقراطية، اقتصادياً (الصين والهند) أو عسكرياً (روسيا) أو تكنولوجياً (إيران وكوريا)، المترافق مع صعودها السياسي المتمثل بتأكيد حضورها الإقليمي (من بحر الصين الجنوبي إلى شبه جزيرة القرم)، وكذلك الدولي، بات يقوض أساسات الهيمنة الإمبريالية في العالم من أمريكا اللاتينية إلى أوراسيا، كما أن مركز ثقل الاقتصاد العالمي بات ينزاح تدريجياً نحو جنوب الكرة الأرضية وشرقها، يضاف إلى ذلك أن منظمة دول “البريكس” شرعت بتأسيس بدائل للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، كما تمكنت المصارف الصينية من تبوء المواقع الثلاثة أو الأربعة الأولى في قائمة أكبر البنوك العالمية، وقد كان هناك تسعة عشر مصرفاً صينياً من بين أكبر مئة بنك عالمي في العام 2016، وخمسة بنوك برازيلية، وواحد هندي، وستة بنوك كورية جنوبية، ولكن الكتلة المالية الأساسية في العالم، كما تتجلى في أصول أكبر مئة مصرف عالمي، لا تزال أمريكية شمالية وأوروبية غربية ويابانية، رغم الاختراقات النفاذة التي حققتها المصارف الصينية، ولذلك لا تزال السيطرة على حركة رأس المال المالي الدولي بأيدٍ إمبريالية تقليدية، وهو ما يمكنها من الاستمرار بفرض العقوبات والتحكم بحركة رؤوس الأموال والتحويلات عبر الحدود، خصوصاً أنها لا تزال ممسكة بمقابض المؤسسات والأطر القانونية التي تجري حركة رؤوس الأموال ضمنها.

اقتصاد الولايات المتحدة لا يزال الأكبر حجماً عالمياً بقيمة تفوق الـ18 ترليون ونصف ترليون دولار في العام 2016، مع الإشارة أن الترليون يساوي ألف مليار، فيما يناهز حجم الناتج المحلي الإجمالي لاقتصادات دول “البريكس” مجتمعة حجم الناتج الإجمالي لدول الاتحاد الأوروبي مجتمعة وهو16 ترليون دولار ونصف الترليون تقريباً، مع الإشارة أن الناتج المحلي الإجمالي الصيني وحده يبلغ 11 ترليون دولار ونيفاً، بحسب أرقام 2016، فيما يبلغ حجم الاقتصاد الياباني حوالي خمسة ترليونات من الدولارات.    فإذا أضفنا ترليون ونصف الترليون دولار هي حجم الناتج المحلي الإجمالي الكندي في العام 2016، وترليون وربع الترليون هي حجم الناتج المحلي الإجمالي الاسترالي، فإن أكثر من 57% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، البالغ 75 ترليون دولار أمريكي، يكون إما أمريكياً شمالياً أو تابعاً للاتحاد الأوروبي أو يابانياً أو استرالياً، من دون أن نأخذ بعين الاعتبار المنصات الإقليمية التابعة للإمبرياليةمثل كوريا الجنوبية(ترليون وأربعمئة مليار دولار عام 2016) والمكسيك (أكثر بقليل من ترليون دولار)، وأندونيسيا (أقل بقليل من ترليون دولار) وتركيا (أكثر من 800 مليار دولار)، مما يجعل “السوق العالمية” سوقاً تتحكم بها الإمبريالية حتى الآن، بالرغم من التقهقر الملحوظ لحصتها من الناتج الإجمالي العالمي خلال العقدين الأخيرين، مما يتيح لها فرض عقوبات تجارية واقتصادية، بغض النظر عن الذريعة، ومنع التصدير والاستيراد بشكل انتقائي يؤذي الدول المستهدفة أكثر مما يؤذي السوق العالمية.

ما سبق يطرح بالضروة أهمية مشاريع التنمية المستقلة، وهي مشاريع تقوم على تأسيس قواعد اقتصادية وصناعية وتكنولوجية وعسكرية متكاملة في دول ذات توجه مستقل نسبياً أو كلياً عن المنظومة الإمبريالية استناداً إلى مشروع قومي، ومثل هذه المشاريع تختلف تماماً عن نماذج التنمية التابعة لتصدير السلع إلى دول الشمال والغرب تشكل العمالة الرخيصة عامودها الفقري، كما هي حال المكسيك وأندونيسيا مثلاً.  فالتنمية المستقلة ليست مشروعاً اقتصادياً أو مشروعاً لرفع مستوى المعيشة فحسب، كفقاعات الاستهلاك المسرف في بلدان الخليج العربي الناتجة عن بيع الموارد الاولية مثل النفط والغاز للدول الصناعية المتقدمة، إنما هي مشروعٌ تنموي حقيقي طويل المدى، يتجلى مثلاً بتطوير التكنولوجيا والبحث العلمي، ومن ذلك مثلاً أن الصين والهند وروسيا والبرازيل، وكلها في “البريكس”، كانت من بين أكثر عشر دول تسجيلاً لبراءات الاختراع في العالم في العام 2014، فهي لا تكتفي بتصدير الخامات من أجل الاستهلاك، ولهذا تعدّها الإمبريالية مصدر خطرٍ عليها.

كما أن تقدم الصناعة العسكرية من أهم معالم التقدم التكنولوجي في عالمنا المعاصر، وقد احتلت روسيا والصين المرتبتين الثانية والثالثة على التوالي في تصدير الأسلحة عالمياً بين عامي 2012-2016، لكن سوق تصدير الأسلحة عالمياً لا تزال أمريكية وأوروبية غربيةعلى الأغلب من حيث قيمة الأسلحة المصدرة، مع حلول أوكرانيا في المرتبة التاسعة، مما يساعد الإمبريالية على فرض حظر تصدير الأسلحة النوعية طبعاً، والمنتجات التكنولوجية، مع العلم أن الهند كانت أكبر مستورد للأسلحة في العالم خلال الفترة نفسها.

لكن الهيمنة الإمبريالية هي الاتجاه الهابط تاريخياً، والنزعة المستقلة هي الاتجاه الصاعد، في الاقتصاد والسياسة وفي القدرة على التدخل العسكري، ناهيك عن القدرة على ممارسة احتلال عسكري مباشر أو مطول، ولذلك تحاول الإمبريالية إعاقة تقدم القوى الصاعدة دولياً وإقليمياً من خلال ورقة العقوبات، ومن خلال “الثورات الملونة”، كما تحاول أن تفعل في فنزويلا حالياً، وكما فعلت في ليبيا، وحاولت أن تفعل في سورية من قبل فكان الفشل مصيرها، وها هو مسمسارٌ جديدٌ يُدَق في نعش الإمبريالية في سورية مؤذناً ببدء عصرٍ جديدٍ تتحرر فيه البشرية باسرها منها.

http://tishreen.news.sy/?p=104653

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/Qawmi

انشر هذا المقال في المواقع التالية
Digg Delicious Stumbleupon Technorati Facebook Twitter