ما فهمه الغرب خطأً في سورية

21208986_1850483194968907_1111553731_n

د. إبراهيم علوش 

تشرين 30/8/2017

 

العنوان أعلاه مستوحى من مقالة للمستشرق الهولندي “نكولاوس فان دام” في مجلة “فورِن بولسي” (السياسة الخارجية) الأمريكية قبل أيام، وكاتب تلك المقالة مستشرق هولندي عمل سفيراً في دولٍ عربيةٍ وإسلامية سنواتٍ طويلة وسبق أن وضع كتابين متخصصين عن سورية صدر أولهما عام 1979، وثانيهما عام 1995، يركز فيهما على ما يسميه المستشرق “فان دام” النزعة “الطائفية والجهوية والعشائرية” في سورية، وهو البعد الذي عمل الغرب، كما نعرف جيداً، على دراسته وإبرازه وتعزيزه وتوظيفه في سياساته إزاء كل الوطن العربي، لا في سورية فحسب.

وتأتي مقالة “ما الذي فهمه الغرب خطأً في سورية؟” للمستشرق “فان دام” ضمن سياق عدة مراجعات نقدية نُشرت مؤخراً لسياسات الغرب في سورية، منها مثلاً الملف الذي نشره “المعهد الملكي (البريطاني) للشؤون الخارجية – تشازَم هاوس” في 15 آذار الفائت تحت عنوان “السياسة الغربية إزاء سورية: تطبيق الدروس المُتَعلمَة”.  وتجدر الإشارة إلى أن مثل هذه المراجعات النقدية تأتي برعاية مراكز أبحاث إمبريالية كبيرة معروفة بيمينيتها ورجعيتها لا من الهامش الصغير الرافض تقليدياً للسياسات الإمبريالية في الغرب، ولذلك فإن أهميتها المستجِدة تنبع من كونها تمثل اعترافاً صريحاً بمكابدة الفشل والخيبة فيما تتساقط الدول الغربية، الواحدة تلو الأخرى، من الشجرة العالية التي تشعّبت أهدافها ثقيلة الوزن المنفصلة عن الواقع السوري إلى غصونها الرقيقة.

لكن مراجعة “فان دام”، كغيرها من المراجعات النقدية من قِبل ممثلي التيار السائد في النخب الإمبريالية في الغرب، تأتي أقرب لتبرير فشل السياسات الغربية في سورية وتسويغه منها لمواجهة الذات بصراحة، فروايته لما جرى في الأعوام الأخيرة، كما يعبر عنها في مقالته “ما الذي فهمه الغرب خطأً في سورية؟”، يمكن تلخيصها بالشكل الآتي: “الغرب لم يقدم ما يكفي من الدعم العسكري للمعارضة، وأوحى أنه سوف يتدخل في سورية فيما كان يعرف أنه لن يفعلَ، وصعّد في الآن عينه من سقف مطالبه إلى نقطة اللاعودة قاطعاً خطوط التواصل مع الدولة السورية، لاسيما منذ زيارة السفير الأمريكي فورد والفرنسي شوفالييه إلى حماة في تموز 2011، مما أفقده القدرة على التأثير على مواقف النظام السوري أو سياساته أو الإسهام في صناعة الحل السياسي، ووقف مكتوف الأيدي عند سقوط حلب في كانون الأول 2016، مما جعله يبدو ضعيفاً وعاجزاً”!

نلاحظ أن النَفَسَ الذي يعبر عنه “فان دام” هنا يترجع صداه بطبقات صوتية متفاوتة في خطاب الجماعات المسلحة و”الهيئات السياسية” التي يحتضنها الغرب ومحور البترودولار وتركيا، وفي خطاب قوى 14 آذار في لبنان، تحت عناوين شتى مثل “الثورة المغدورة من قِبَل الغرب” و”المُصادرَة من قِبَل المتطرفين” و”الواقعة ما بين مِطرقة النظام وسندان الحسابات الدولية والإقليمية” إلخ… وهو خطاب أقرب لتبرير الهزيمة في سورية منه لمراجعة موضوعية لأسبابها، لكنه يظل بالرغم من كل مغالطاته إقراراً بتجرع علقم الهزيمة والخيبة المرّة، والبقية واضحة، لأن أي حل سياسي لا يمكن أن يتجاوز موازين القوى على الأرض التي باتت تميل موازينها بوضوح مع الدولة السورية وحلفائها، فلم يعد ثمة خيار أمام الدول الراعية للإرهاب إلا الانخراط في عملية سياسية مع الدولة السورية ورئيسها وجيشها، من دون شروط مسبقة، على أمل إنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر محاولة التأثير على مسار الحل السياسي باستغلال استعداد سورية الحثيث لاستعادة الأمن والاستقرار بالتجاوب مع أي مبادرة جادة.  

من هنا أهمية الموقف الذي أعلن عنه السيد الرئيس بشار الأسد في خطابه الأخير حين أوضح أن لا مساومة على استقلال سورية مقابل إنهاء الحرب عليها، وما أكد عليه في خطابات ومقابلات مختلفة من أن استعادة سيادة الدولة على كل بقعة من أرض سورية ثابتٌ مبدئيٌ لا تنازل عنه، ومن هنا أيضاً أهمية الموقف المعروف لسورية بأنه لا استئناف للعلاقات مع أي دولة قبل أن توقف دعمها للإرهاب في سورية، والمعنى هو أن الشرط البديهي للعملية السياسية هو إيقاف دعم إرهاب العصابات المسلحة الذي لما يتوقفْ بعدُ بالرغم من تحول “وقف دعم الإرهاب” إلى شعار دولي وإقليمي، فحماسة سورية الدائبة لتحقيق الحل السياسي لن تصبح باباً لابتزازها أو لاختراق انتصاراتها التي دفعت أغلى الدماء لتحقيقها.

قصة أن الغرب “قصّر” بالدعم العسكري ليس مقدمة خاطئة فحسب تكذبها كل المعطيات المتوفرة عن برامج الدعم الأمريكية والأوروبية والخليجية والتركية، بل كذبة تضليلية مكشوفة لا تليق بمراكز أبحاث غربية معروفة عالمياً، وفضلاً عن مليارات الدولارات من مشتريات الأسلحة، وبرامج التدريب والدعم اللوجستي والاستخباري من قِبل غرف خاصة في تركيا والأردن، والميليشيات المتنوعة التي تتبناها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني علناً في سورية، فإن الغرب الذي يعرف مع من يتعامل بالضبط حجب بعض أنواع الأسلحة، مثل صواريخ أرض-جو (ما عدا تلك المحمولة على الكتف)، التي يمكن أن ترتد على طائراته إذا شاعت بأيدي عصابات “الثورة السلمية”، والتي يمكن أن تستجر ردود فعل مماثلة لو استخدمت ضد سلاح الجو الروسي، ولكنه لم “يقصر بالدعم”.  

الغرب وحلفاؤه لم يتركوا وسيلةً للتدخل في سورية إلا اقترفوها، ومارسوا التهديد بالتدخل المباشر الموسع، ولم يقدموا عليه، وأقدموا على تدخلات مباشرة غير موسعة، فيما تنتشر قواعد عسكرية أمريكية زائلة لا محالة  في مناطق سورية مختلفة اليوم، لأن الغرب لا يزال يدفع فاتورة تدخله في العراق وأفغانستان، ولا قِبَلَ له بالمزيد، ولأنه يعرف أن سورية ليست لقمة سائغة، وأن في البيت أسوداً تحميه. 

الحمقى والمغفلون وحدهم ينكرون أن الغرب وأذنابه تدخلوا بكل ما يملكون في سورية فهُزموا وفشلوا وذهبت ريحهم.  أما ما فهمه الغرب خطأً في سورية فكثيرٌ جداً، وقد أثبتت سنوات الحرب أنه حقيقة فرضت وجودها رغم أنف المستشرقين والمستعربين، ومنه صلابة وعقيدة الجيش العربي السوري وتماسكه وتمكنه من التأقلم مع حرب من الجيل الرابع واستعداده لبذل التضحيات بلا حساب لإيصال سورية إلى بر الأمان، ومنه الحس الوطني السوري والثقافة القومية العربية التي نشأ عليها الشعب والجيش العربي السوري، وما القومية العربية إلا جوهر الهوية الوطنية، كما أوضح السيد الرئيس في خطابه الأخير، لأنها ضمانة الوحدة الوطنية، وحدة الأرض والشعب، كرابط أسمى وأنبل وأهم من أي انتماء طائفي أو جهوي أو عشائري، وإن رسوخ الثقافة القومية العربية في الأرض، رغم كل حملات التشويه والتضليل الممولة بالمليارات، لعله بات اليوم يحرق تلافيف أدمغة مراكز الأبحاث وصناع القرار الغربيين والصهاينة.

كما أن الغرب لم يتوقع أن يكابد الشعب السوري كل ما لحق به من حصار ودمار وإفقار ليبقى صامداً صابراً متمسكاً بمؤسسات دولته، لاسيما بعدما رأى بعينيه طبيعة “البديل” التكفيري الدموي المدعوم من الغرب، ولم يستوعب أن تلقي الدعم من الغرب، في قاموس الثوار الحقيقيين، تهمة، لا “ثورة”، ولم يتوقع أن تتوافر سورية على حلفاء إقليميين ودوليين يخلصون لها الدعم بكل أشكاله مشكورين مقدرين، ولم يحسب جيداً حساب أبطال حزب الله إذ هرعوا للميدان آلافاً، ولم يدركْ الغرب أن السيد حسن نصرالله يختزل في عقله الراجح وبساطة منطقه وعمق رؤيته عشرة آلاف محلل استراتيجي غربي وصهيوني، على الأقل، ولكن الغرب لم ولن يفهم، قبل كل شيء، صلابة ربان السفينة تحت أقسى الضغوط ومرونته في التعاطي مع مشهد سائل غير مستقر ومتحول سلباً وإيجاباً باستمرار ولياقته الذهنية في إدارة دفة صراعٍ معقدٍ ذي أبعادٍ محلية وإقليمية ودولية وثباته المبدئي على المسار الوطني والقومي في آن معاً… إنه السيد الرئيس بشار الأسد. 

وهكذا نبدأ بدراسة الأسباب الحقيقية لفشل السياسات الغربية في سورية.

http://tishreen.news.sy/?p=108631

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/Qawmi

انشر هذا المقال في المواقع التالية
Digg Delicious Stumbleupon Technorati Facebook Twitter