لعبة أردوغان أمام بوابات إدلب

الجيش التركي في ادلب

د. إبراهيم علوش

تشرين 11/10/2017

باتت محاولة تعظيم المكتسبات الخاصة، ضمن حدود القاسم المشترك الأعظم مع القوى الدولية والإقليمية  المنخرطة في الساحة السورية، عنوان الاستراتيجية السياسية لرجب طيب أردوغان في ربع الساعة الأخيرة من عمر الحرب، بعد فشل مشروع فرض وجوده بالقوة المباشرة أو من خلال أدواته الإرهابية..  وقد بات تفعيل الدور التركي على هامش التوافقات الدولية والإقليمية، بدلاً من المناطحات العنجهية السابقة، الخيار العقلاني الوحيد الذي يأمل أردوغان في أن يتيح له الحفاظ على أكبر قدر من ماء الوجه بعد الهزيمة التي مُنِيَ بها المشروع العثماني في سورية، لعله يجد له مقعداً على مائدة “الحلول السياسية” فلا يخرج من المولِد بلا حمص من جهة، وعلى أمل أن يحتوي الارتدادات الكردية والتكفيرية على تركيا التي أسهمت سياساته الحمقاء بخلقها عندما حاول زعزعة استقرار سورية والعراق (ومصر وغيرها من الأقطار العربية) من جهةٍ أخرى.

اللعب على دخول إدلب، ضمن حدود القاسم المشترك الأكبر مع روسيا وإيران، من دون الدخول في مناطحة مباشرة مع الولايات المتحدة أو حلفائها فيما يتعلق بسورية، من أجل توسعة حيز المناورة السياسية والمجال الحيوي للنظام الأردوغاني، وتحقيق أهدافه بتكلفة أقل، هو ما يطمح له أردوغان معتمداً على براغماتيته واستعداده للتثني وللتضحية بحلفاء الأمس لتحقيق أهداف اليوم، ومن ثم للتضحية بحلفاء اليوم لتحقيق أهداف الغد، تحت هالة من توظيف المقدس الديني للتمدد في الجغرافيا السياسية خلف قناع عثماني ولتصوير نفسه كحامي حمى الإسلام والمسلمين من ميانمار إلى الأنبار.

المدخل إلى إدلب كان آستانا بالضرورة، ومن المنطقي أن روسيا عندما تقدم منظومة الدفاع الجوي أس-400 الأكثر تطوراً في العالم لتركيا، وهي التي لم تقدم مثلها لإيران، فإنها لا تتعامل بمنطق “العمل الخيري”، وأنها تنطلق من تعزيز القاسم المشترك الأعظم مع تركيا لا من أجل تقريبها إليها وبالتالي إبعادها بدرجة ما عن حلف الناتو فحسب، بل لأن مثل ذلك التقارب لا بد له من أن ينعكس بالضرورة على السلوك التركي في سورية، ولا يعني ذلك بتاتاً التطابق بين الأهداف التركية والأهداف الروسية في سورية، إنما يعني تعزيز مساحة المشتركات مع محاولة كل طرف دفع الطرف الآخر لتمرير أكبر قدر ممكن من برنامجه، بما لا يمنع التصادم حيث لا تتقاطع المصالح، داخل سورية وخارجها.

الفرق هنا بين أردوغان وبوتين أن الثاني يقدم سلم نجاة للأول مقابل وقف دعمه للإرهاب، وتخفيف كلفة استعادة إدلب إلى كنف الدولة السورية، وأن أردوغان يتعامل مع ذلك السلم الروسي كفرصة لتعزيز الدور التركي في الساحة السورية ولاحتواء التمدد الكردي في شمال سورية، والحد الفاصل هنا بالطبع هو الحدود المقبولة لمثل ذلك الدور التركي لدى الدولة السورية الطرف الأول والأخير المعني بالموافقة عليه بمقدار ما تتعاون تركيا جدياً بالقضاء على الإرهاب الذي رعته وغذته واحتضنته.

ليس من الواضح حتى الآن كيف سيلعب أردوغان أوراقه في إدلب، فبعد أن تم تقديم الاندفاعة التركية الأولية كهجوم من فصائل ما يسمى “الجيش الحر” على “النصرة” بغطاء تركي وروسي، وجدنا تنسيقاً ما بين الجيش التركي وإرهابيي ما يسمى “هيئة تحرير الشام” (أي “جبهة النصرة”) ومفاوضات بين الطرفين على السماح بدخول قوات تركية على ألّا ترافقها فصائل إرهابيي ما يسمى “درع الفرات” التابعة لتركيا، التي أعيدت تسميتها كـ”جيش حر”!  وما كان غير واضح أصلاً هو التعويل على فصائل مدحورة، سبق أن مزقتها “النصرة” إرباً، من أجل دحر “النصرة” من إدلب، وكيف يمكن أن تقضي على “النصرة” من دون الدخول المباشر للجيش التركي على خط المعركة، وهو الأمر الذي ما برح يتجنبه الأتراك لأنهم لا يحتملون التورط في مستنقع دموي من جهة، ولأنهم يسعون، كالأمريكيين، للقتال عبر أدوات، لا بصدورهم العارية! 

إذا كان جل ما يتوخاه الأتراك هو إقامة نقاط مراقبة وتفتيش في إدلب ضمن اتفاق “مناطق تخفيف التوتر”، بالتفاهم مع ما يسمى “هيئة تحرير الشام”، من دون المساس بميزان القوى على الأرض الإدلبية، أو من خلال محاولة الدفع باتجاه تفاهمات مع “النصرة” تتيح عودة الفصائل المطرودة من إدلب، تحت وطأة التهديد بمهاجمتها بالاشتراك مع روسيا، أو تركها لقمة سائغة للجيش العربي السوري وحلفائه، من دون دعم لوجستي، أو عمق استراتيجي في الداخل التركي إذا ما أغلقت الحدود مع تركيا تماماً، فإن المحافظة على الوضع القائم، من خلال مزيج من “النصرة” والعصابات الإرهابية الأخرى، سيصبح ذريعةً لبقاء تركي مطوّل في إدلب والأرياف المحيطة، تحت غطاء آستانا، وهو ما لا يمكن القبول به من قبل سورية وحلفائها لا سيما أن “النصرة” موضوعة على لوائح الإرهاب إسوة بـ”داعش” التي باتت تلتجئ بقاياها الآن لمناطق النفوذ التركية في الشمال السوري.  وقد وقفت تركيا تتفرج فيما كانت عصابات “النصرة” تسيطر على إدلب مما حوّلها إلى ما يشبه “المخلص” في عيون الكثير من العصابات الإرهابية الأخرى وحواضنها الاجتماعية، مع أن تركيا شكلت رافعة لتلك القوة التكفيرية بالذات على مدى سنوات.

تركيا ترسل رسائل فحواها أنها لا ترغب بالاصطدام بتكفيريي “النصرة”، أو بالجيش العربي السوري على المقلب الآخر، فعينها على محاصرة عفرين، ومنع التمدد الكردي باتجاه البحر المتوسط، وأن يتحقق ذلك بأقل قدر من الاحتكاك مع كل الأطراف ما عدا “قوات سورية الديموقراطية”، بل برضاها إن أمكن، وأن تضع مواطئ قدمٍ لها في المنطقة تتيح لها “المشاركة بصياغة مستقبل سورية” من جهة، ومنع أي فراغ من التحول إلى ممر لتشكيل شريط كردي متواصل في شمال سورية مما يمكن أن يهدد تماسك الدولة التركية نفسها.

ما يعزز أهمية إيقاف التمدد الكردي بالنسبة لتركيا هو أنها لم تتخذ إجراءات حاسمة بعد بالنسبة للنزعة الانفصالية الكردية في شمال العراق التي دعمتها وعززتها سياسياً واقتصادياً على مدى سنوات، ولعل تركيا تعتقد مثل الأمريكيين والصهاينة أن التمدد الكردي في شمال العراق ربما يساعد بقطع الطريق بين إيران ولبنان، من دون أن يشكل نفس المقدار من الخطر على تركيا، لا سيما أن أكراد العراق يتحدثون لغة مختلفة، ويكتبون بأحرف مختلفة، وينتمون لمنظومة ثقافية وسياسية مختلفة، عن الأكراد في جنوب تركيا وشمال سورية. 

باختصار، أردوغان يحاول التسلل سياسياً إلى شمال سورية، ويحاول أن يحوّل “النصرة” إلى فزاعة تبرر وجوده في إدلب الذي لا يعود مبرراً إذا ما زالت تلك الفزاعة التي لا يرغب بدفع الثمن الدموي أصلاً للتخلص منها، إنما يريد احتواءها وتوظيفها سياسياً، فإذا ركبت رأسها، لا بد من بعض الاحتكاكات معها التي تظهره بمظهر من يحجمها أمام من جاء “يخلصهم” من ربقتها، لكن الجيش التركي لن يفتح معركة كسر عظم كبرى مع التكفيريين والأكراد في آنٍ معاً، وأولويته الآن هي احتواء التمدد الكردي، من دون التورط في معركة كبرى مع روسيا أو سورية أو إيران.

في المقابل، لا يلعب أردوغان وحده في الميدان السوري (أو غيره)، وثمة فائدة من تركه يكشف أوراقه واستعداده للتفاهم مع الإرهابيين والتفكيريين أمام الحلفاء وغيرهم، واعطائه ما يكفي من الحبال ليشنق بها نفسه إذا لم يرعوِ عن محاولة التمدد ودعم الإرهاب وإذا لم يستوعب أنه لن ينال بالسياسة ما عجزت عنه عصاباته في الميدان، ومن ارتكب اخطاء استراتيجية جعلته مهدداً في عقر داره بأخطارٍ انفصالية وتكفيرية لن يتفوق على من أدار مواجهة كبرى مع عدوان دولي وإقليمي يملك من الموارد أضعاف ما تملكه سورية فانتصر عليه، وفي النهاية ستظل كل قوة تدخل سورية من دون موافقة دولتها قوة محتلة من حق سورية أن تتصرف إزائها بما تراه مناسباً، وستظل إدلب عربية سورية، ولن يخفق في سماء سورية إلا علمها، ولن يزأر فيها إلا أسودها، ولن يسوّرها إلا حماة الديار.

http://tishreen.news.sy/?p=115464

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/Qawmi

انشر هذا المقال في المواقع التالية
Digg Delicious Stumbleupon Technorati Facebook Twitter