في لوحة الصراع ما بعد “داعش”

22834336_391859797898696_513622186_n

د. إبراهيم علوش

تشرين 25/10/2017

لم يتبقَ ما يُرى من اطلال “داعش” إلا مدينتان ونيف في البادية غرب العراق، وبعض الجيوب والجزر التي ما برحت تتآكل سريعاً في وادي الفرات وحمص وحماة وريف دمشق ودرعا، وقد راح التنظيم التكفيري يلفظ أنفاسه الأخيرة في دير الزور ومحيطها بفضل بطولات الصناديد، من أمثال اللواء شرف عصام زهر الدين وإخوته من الشهداء الأحياء والأحياء الشهداء، لكنَّ إرهابيي “داعش”، وهم يسدلون الستار المعلق بأهداب فرارهم على أحد أبشع فصول الحرب على سورية والعراق وأكثرها دمويةً، فكأنهم راحوا يهيئون المسرح لتعميم إرهابهم التكفيري في أرجاء المعمورة من مصر إلى المغرب العربي وإفريقيا ثم إلى أوروبا الغربية وووسط آسيا وجنوبها الشرقي ليظهر مرةً أخرى في بلاد الشام والعراق بشكلٍ جديدٍ، أضعف وأخبث لا ينطلق من مواقع ثابتة، مما يتطلب عمليات خاصة، بعد انتهاء العمليات العسكرية، لاستئصال شأفة الإرهاب، كما اقترح رئيس لجنة الدفاع في الدوما الروسي الجنرال فلاديمير شامانوف بحسب موقع “روسيا اليوم” قبل أيام، ومما يتطلب بالضرورة أيضاً حروباً من نوعٍ آخر، ثقافية وإعلامية وسياسية، ضد الفكر التكفيري وأطره وداعميه، لن تنتهي قريباً، لا سيما أن الحواضن التكفيرية فرّخت مسوخاً غير “داعش”.

غير أن هذا لا يغيّر من أن صراعاتٍ أخرى باتت تطل برأسها بشكلٍ أكثر وضوحاً في الهزيع الأخير من ليل “داعش”، وأن دخول الدولة السورية في طور الانتصار الشامل أسفر عن معادلاتٍ جديدة تحتاج إلى بلورة استراتيجيات جديدة، فالرجعية العربية، بشقها السعودي تحديداً، تقزّم دورها وتأثيرها ودخلت بعض أدواتها، ومنها ما يسمى بـ”جيش الإسلام” في الغوطة الشرقية، في مناطق “تخفيف التوتر”، وفي الحملة ضد “النصرة” و”داعش” وفقاً للاتفاق.   ومقابل انخساف الدور السعودي، نجد دخولاً مصرياً إيجابياً على خط الحرب في سورية، بموافقة الدولة السورية، للمساعدة في تثبيت مناطق “تخفيف التوتر” في ريف دمشق ومحيطها، وفي ريف حمص الشمالي، وهو الدور المرشح للتصاعد، بالتفاهم مع الدولة السورية، في ظل تفاقم الأزمة بين قطر والسعودية، والحاجة إلى موازنة الدور التركي الآتي من بوابة تفاهمات “أستانا” هذه المرة.

إنَ صعود نجم بعض القوى الكردية في سورية، وتبنيها من قِبلِ حكومة الولايات المتحدة، ساعد باستمالة تركيا، عبر بوابة “أستانا”، إلى جهة روسيا وإيران، والمهم أن التقارب الروسي (والإيراني بدرجة أقل) مع تركيا انعكس إيجابياً بدرجة ما على السلوك التركي في سورية، من دون أن يلغي ذلك بتاتاً حقيقة الأطماع التركية ببلاد الشام والعراق التي لن يوقفها إلا بقاؤنا لها بالمرصاد، ومن أهم المؤشرات على ذلك تناغمها مع “النصرة” في إدلب والأرياف المجاورة.

روسيا، من جهتها، باتت ترى في تركيا بديلاً عن أوكرانيا كمرفأ لتصدير الغاز والنفط إلى أوروبا الغربية، مع الإشارة لتطوير التعاون الروسي والإيراني مع قطر في مجال النفط والغاز، بعد أن بدأت تدرك قطر أن تمرير أنبوبها عنوةً عبر سورية سورية ضربٌ من المحال، ولعل شبكة المصالح المشتركة بين روسيا وإيران من جهة، وقطر وتركيا من جهة، أسهم بشق الكتلة الوهابية-الإخوانية في الإقليم، لتخرج الرياض خاسراً أكبر في الحرب على سورية.  

يشار هنا إلى أن موسكو ترى عموماً في تقديم منظومات أسلحة ومفاعلات نووية للدول، تتردد واشنطن في تقديمها حتى لبعض أقرب حلفائها، وسيلةً لتعزيز صادراتها ولكسب دول حليفة للغرب، ولكسر احتكار السلاح والتكنولوجيا الذي يسهم في تعزيز هيمنة الغرب على العالم في سياق الصراع مع الهيمنة الأمريكية الذي باتت “منظمة شانغهاي للتعاون” ومنظومة “البريكس” والصراعات الإقليمية من كوريا الديموقراطية إلى فنزويلا بعض أبرز عناوينه، وتأتي تعزيز علاقة الصين مع باكستان في سياق اجتذاب حلفاء الولايات المتحدة أيضاً بعيداً عن الناتو ومراكز القيادة الأمريكية حول العالم، ويذكر أن الهند وباكستان قُبلت عضويتهما في “منظمة شانغهاي للتعاون” في 9 حزيران الفائت مؤخراً. 

لقد بات من الواضح أيضاً، على سيرة “أستانا”، التي يفترض أن تعود المحادثات فيها للانعقاد في نهاية الشهر الجاري، أن ذلك المسار همّش مسار جنيف، وبات يتحكم بما يجري فيه، وأنه تحوّل إلى حاضنة للمصالحات المحلية، لتأخذ “التسوية السياسية” في سورية ذلك المعنى تحديداً، وأن ذلك وَضَعَ الدول الغربية، بالمعية، في موقعٍ أقل تأثيراً في المشهد السوري، وفي الإقليم، وأنه قوّى يد سورية وحلفائها، مما دفع إدارة ترامب والكيان الصهيوني باتجاهين اثنين، أولهما تصعيد الحملة ضد إيران وحزب الله، وثانيهما دعم حركات الانفصال الكردية وتبنيها بصورة علنية بالنسبة للكيان الصهيوني، وبصورة حريصة على عدم خسارة تركيا بالنسبة لواشنطن.  ولا شك في أن الحملة ضد إيران والإتفاق النووي معها ليست منفصلة عن الميدان السوري، إذ أنها لا تستهدف الإتفاق نفسه بقدر ما تستهدف برنامج إيران الصاروخي حالياً، والسعي لفرض تنازلات على إيران في الملفات الإقليمية، وعلى رأسها الملف السوري طبعاً، كما كشف بشكل غير مباشر مستشار الإمام الخامنئي للشؤون الخارجية، علي أكبر ولايتي، في معرض رفضه لمساعي الأوروبيين لابتزاز إيران، وهم الذين يقولون أنهم مع الاتفاق، ولكن مع التفاوض مع إيران حول برنامجها البالستي وحضورها في الإقليم.

لا تزال الورقة الكردية بالطبع حصان الرهان الأمريكي في العراق وسورية، ولكنها تهاوت في العراق كأوراق تشرين مع دخول القوات العراقية والحشد الشعبي إلى ما يسمى “المناطق المتنازع عليها”، وإلى ما زعموا أنه “كردستان العراق” نفسها، ليظهر أن العلاقة الإيرانية مع جماعة الطالباني لعبت دوراً رئيسياً في إظهار قوات “البشمركة” بمظهر لا تحسد عليها أمام البعيد والقريب، وليتعزز الحضور الإيراني في الإقليم بدلاً من أن يضعُف.

أما في سورية، فقد لعبت الولايات المتحدة وأدواتها لعبة “القط والفأر” مع “داعش” لتوظيفه حيث أمكنها ذلك في مسخرة محاولة تثبيت خط أحمر موهوم بين “شرق الفرات وغربه”، من خلال تهريب عناصر “داعش” الذين استسلموا في الرقة وغيرها بحسب المسرحية التي جرت هناك، ومن خلال إتاحة المجال للتنظيم الإرهابي التكفيري لمهاجمة الجيش العربي السوري وحلفائه حيث يعبرون شرقي الفرات، ولعل فيما جرى في حقل “العمر” النفطي في الريف الشرقي لدير الزور في الأيام الأخيرة دليلاً آخر على ما نذهب إليه، إذ قامت قوات “داعش” بمهاجمة الجيش السوري الذي كان يبعد ثلاثة كيلومترات عن الحقل، لتقوم بعد ذلك بتسليم الحقل تسليماً لـ”قوات سورية الديموقراطية” المدعّمة أمريكياً من دون أي قتال!

الكيان الصهيوني بدوره بدأ يشعر “بالسخن”، وصعّد من تدخلاته المباشرة في الميدان السوري دعماً للعصابات الإرهابية على أنواعها، وفي محاولة لتثبيت “أمر واقع” اعتقد أن الحرب العالمية على سورية يمكن أن تديمه للأبد، لكنه يواجَه هذه المرة بمنطق سوري جديد يستند إلى انقلاب ميزان القوى الميداني والسياسي بشكلٍ حاسم لمصلحة الجيش العربي السوري وحلفائه، فسورية أرسلت رسالة ميدانية مؤخراً مفادها أنها لن تنتظر حتى يدخل التهديد الصهيوني المجال الجوي السوري، بل ستتصدى له في لبنان، لا سيما أن العدوان الصهيوني في المرات الأخيرة انطلق من لبنان أو الجولان، وما جرى على جبهة الجولان في الأيام الأخيرة يوحي أن معادلة جديدة ترتسم في الأفق السوري في مواجهة العدو الصهيوني هي معادلة دخول طور النصر.

http://tishreen.news.sy/?p=118038

للمشاركة على الفيسبوك:

 

https://web.facebook.com/Qawmi

 

انشر هذا المقال في المواقع التالية
Digg Delicious Stumbleupon Technorati Facebook Twitter